كلِنا بيطح


منذ ما يقارب العشر سنوات كان لجدتي جيران  من أشقَائنا المصريِين وكان لديهم طفلة عمرها آنذاك حوالي الأربع سنوات وكانت تأتي بشكل شبه يومي للعب مع أطفال خالتي. كنَا نفتح لها الباب فتدخل بجرأة و أوَل ما تقوله عند دخولها “إنتو طابخين إيه النهارده ؟؟”

كانت ليلى شخصية ظريفة مرحة ولا يملَ من حديثها اللا منقطع. ذات يوم سألها أبي وكان لأول مرة يراها: “إيش اسمك يا حلوه فأجابت بسرعة: “أنا ليلى عبدالرزَاء عبدالفتَاح بيطح” إنفجرنا جميعا ضاحكين على إجابتها الطويلة لسؤال قصير كان يراد به اسمها الأول فقط! فهمت ليلى الظريفة مخطأة أننا نضحك إستهزاءا بإسم عائلتها وكأنها تعوَدت حدوث ذلك فرفعت صوتها ليعلوا على أصوات ضحكاتنا قائلة: “كلِنا بيطح! أنا وماما وبابا وأحمد.. واللااااهي” فلم نستطع سوى أن نضحك بنبرة أعلى على براءتها وفصاحتها.. ولكن أبي استدرك قائلا: “اسمك جميل وأنت كذلك”.

ليلى ببراءة ودون قصد حفرت اسمها في ذاكرتنا لأننا ومنذ ذلك اليوم أدخلنا تعبير “كلنا بيطح” إلى قاموس مفرداتنا في العائلة فلا يكاد يخلو أسبوع من استشهاد أحدنا بهذا التعبير على مواقف مشابهة تبيِن حاجة الفرد للانتماء إلى مجموعة وكأن هذا الانتماء كفيل بأن يحميه من أي هجوم أو أي اختلاف أو مساءلة فأنا معهم.. وهم معي!

وكثيرا ما نسمعها من الكبار قبل الصغار في دفاعهم عن أنفسهم: “لست وحدي من قام بذلك” وكأن كون المخطيء ضمن مجموعة يكفل له حرِية الخطأ ويشكِل دفاعا قويا!

تتجلى ظاهرة الجزء من الكل واضحة حتى في تكوين الانطباعات والأوليَة منها بشكل خاص فغالبا ما يحكم الناس أن الفرد له انتماء معيَن بمجرد رؤيتهم لمظهره أو سماعهم لكلامه وكأنه أمر واقعي أن يوجد نسختين أو أكثر من فرد واحد أو أنه في المقابل يجب أن يكون الفرد أتى بما هو جديد في كل ما يقول ويفعل ويلبس بدون أن يتأثر ويتعايش ويبني على موروثاته ومكتسباته!

ومن مظاهر “كلنا بيطح” أيضا الدفاع عن التأخُر الفكري بقول: هي ثقافة مجتمع! وعن التقاعص عن الآداء بقول: الكل فعلها ولم يتأذى أحد! وعن التراخي في التحصيل العلمي بقول: الكل عايش على فيتامين و!  وهذا النوع من الدفاع والتبرير يضمن قمع التوقعات بالتغيير والتقدم وبالتالي نظل في وضع “مكانك سر” لأن كل ما يحدث طبيعي ونحن في الهوا سوا و”كلنا بيطح”!

وهنا أتساءل.. وبالإشارة الى معنى الانتماء في هذا السياق تحديدا.. لماذا هذه الحاجة الماسَة للانتماء إلى اسم أو جماعة أو طائفة أو جهة أو حتى مكان؟

وأتساءل أيضا كونه من البديهي أنه لكي تستمر عادات وتصرفات معيَنة فإنها غالبا تكون قد لاقت اقبالا وتشجيعا وكون هذا النوع من التبرير كان وما زال وسيستمر بالوجود…. هل معنى ذلك أنه مجدي ويؤخذ به؟

أليس الفرد كافي لغيره ومكتفي بذاته؟ ألا يوجد لديه دفاع عن قضيته سوى الاحتماء بمن ينتمي إليهم وما ينتمي له؟ وهل سيحميه ذلك؟؟؟

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s