نفاق خبيث ونفاق حميد


نفاق في كل يوم من أيام حياتنا وفي ،على أقل تقدير، نصف كلامنا وكتاباتنا وأفعالنا. هؤلاء الذين نتَهمهم بالنفاق لا يعلمون أننا أيضا متَهمون! لأن مفهومنا للنفاق ضيِق وقليلا فقط من التمعُن في معنى النفاق يبرز للمصطلح معاني غير مألوفة وجديرة بالبحث. فأصل النفاق في اللغة اختلف فيه على قولين، فقيل: إنه مأخوذ من النفق؛ لأن المنافق يستر حقيقته، فهو كمن يدخل النفق يستتر فيه. وقيل : إنه مأخوذ من نافقاء اليربوع أي جحره، فإنه يخرق الأرض حتى إذا كاد أن يبلغ ظاهر الأرض ترك قشرة رقيقة حتى لا يعرف مكان هذا المخرج، فإذا رابه ريب دفع تلك القشرة برأسه فخرج، ومنه اشتقاق النفاق لأن صاحبه يكتم خلاف ما يظهر، وظاهر جحر اليربوع تراب كالأرض وهو في الحقيقة حفرةُ. وكذلك المنافق ظاهره أمر وباطنه أمر.

لو تناولنا النفاق بمفهومه اللغوي البحت لوجدنا أننا جميعا منافقون مع تفاوت درجات نفاقنا واختلاف أسبابه وسلوكه.. ونتائجه. والنموذج التقليدي المعروف بين الناس هو من يظهر الخير و ويبطن الشر وهذا بلا شك هو النفاق في أخبث صوره. ويوجد صور أخرى للنفاق ليست بالضرورة بذلك السوء.  فهناك من ينافق خوفا من العواقب كأن يظهر الموظف لرئيسه التأييد وهو غير مقتنع فقط ليحافظ على لقمة عيشه أو حتى يتجاوز التأييد الى المبادرة بالنفاق حتى يحظى بفرص وظيفية أفضل ومن هذا النوع أيضا أن تظهر شعوب ولائها لحكامها رغم سخطها. وهناك النفاق بغرض الانتماء ومنه النفاق الاجتماعي وقد يكون هذا من أكثر أنواع النفاق انتشارا وفي مجتمعنا السعودي أكثر من غيره وربما تحمَل المجتمع جزء ليس بقليل من الملامة بالاهتمام الذي يوليه لرأي الجماعة والحرب التي يشنها على الرأي الفردي المخالف. كما يوجد من ينافق بداعي الاحترام مثل ذلك الذي يتجنب إظهار الامتعاض والاختلاف لمن هم أعلى شأنا أو أكبر سنا أو أكثر علما. وأضعف النفاق ذلك الذي يكون من باب اللباقة واللَطافة مثل مجاملة من تدخل بيتهم بلبس ما يتوافق مع ثقافتهم وعدم التحدث في أمور يبغضونها ومن هذا النوع أيضا الابتسامة في وجه من لا تتفق معه وهذا حتما نفاق حميد لا يتجاوز أذاه من يمارسه وان كان بعيد المدى!

وباستثناء النفاق الخبيث، فإن ما تبقى من مظاهر النفاق سواء كانت اختيارية أو اجبارية تشكل ظاهرة غير صحية من الأفضل استئصالها والحد من انتشارها قدر المستطاع حيث أنها تولِد ضغطا نفسيا على من يمارسها لأنه وببساطة يتصرف بما يتناقض مع مبادئه وقناعاته الشخصية ويعيش بذلك في صراع مستمر بين ما يريده هو وما يريدونه هم وفي حال لم تتم السيطرة على هذا السلوك وتحقيق توازن يضمن عدم انسلاخ الفرد عن مجتمعه أو ذاته فإنه عاجلا أم آجلا سيتولد انفجار ناتج عن تراكمات هذا الضغط وقد تكون عواقبه وخيمة.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s