فاقد الشيء لا يعطيه.. كلام فاضي


في مجتمع انتهج المؤثرون به البحث عن الأعذار لا الحلول واعتاد المتأثرون بهم سماع الأعذار وتقليد ذات النهج غالبا ما يتردد على مسامعنا عبارات مثل “فاقد الشيء لا يعطيه” و “من شب على شيء شاب عليه” أو عبارات أكثر بساطة وعامية تفيد ان الشخص المقصود نشأ بمفاهيم معينة وفي محيط معين وتعرض لنوع معين من التعليم كلها عبارات هدفها تبرير الخطأ في أفعال أو أقوال هذا الشخص  والاستسلام للقصور في شخصيته وزعزعة الآمال في اصلاحه. وفي حين أن للمحيط الذي ينشأ فيه الانسان والتربية والتعليم اللذان يتلقاهما دور كبير في تكوين معالم شخصيته بلا شك إلا أن التأثير والتأثر أيضا عاملان لا يمكن تجاهل دورهما في احداث التغيير المستمر في هذا التكوين الانساني. فنشأة الفرد وان كانت تحت ظروف قاسية أو مع أب معنف أو أم مهملة أو بين جماعة لا تفكر أو أمة لا تقرأ وان اجتمعت كل هذه الظروف فإنها لا ينبغي أن تكون مبررا للاستمرارية في الخلل والتكاسل عن محاولة التغيير ولا يقبل بأي حال استغلال تلك الظروف للاستضعاف والاستسلام.

ولنا في التاريخ خير مثال فهو يشهد على تبدل حال الناس من حال الى حال كما يروي لنا قصصا وعبرا في شخصيات عاشت الحرمان ومع ذلك لم تمارسه بل نتج عنه ردة فعل عكسية تمثلت في اغداق العطاء والعطف. ولو نظرنا لسيرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنه ولد يتيم الأب ونشأ بعيدا عن أمه فلم يحظ بعطف الوالد أو حنان الأم ولم يرى تعامل والده مع والدته كزوج لكن ذلك لم يمنعه من ان يكون قدوة في الرحمة والحنان والعطاء مع أبناءه وزوجاته.

والأمثلة لا تكاد تحصى في خروج أبطال من بيئات غير معطاءة وفنانون مبدعون من حضيض الفقر ومناضلون حقوقيون من مجتمعات الظلم والعنصرية والإستعباد غيروا واقعهم المظلم وقادوا أجيالا تلتهم الى النور. ولو أنهم استسلموا وقالوا “وجدنا آباؤنا كذلك يفعلون” لهلكنا ولعلقنا في ظلمات الجاهلية وعلقوا في شرور العصور الوسطى. فليس لأب قاس أن يبرر قسوته بفعل أباه وليس لجاهل أن يبرر جهله بثقافة مجتمع لا يقرأ وليس لتابع أن يبرر تبعيته بأنه لا يعلم والمتبوع أعلم. ولمن يقول “فاقد الشيء لا يعطيه” أقول “كلام فاضي” بل فاقد الشيء أول من يفترض أن يعي ما فقد وكيف أثر فقدان هذا الشيء على حياته سلبا وبذلك يفترض أن يكون فاقد الشيء أول من يعطيه وأكثر من يعطيه.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s