الحق لا يمنع من النشر..


أكتب مقالي هذا وأنا كلي أمل في أن تنشره صحيفتي البلاد كما هو وبما فيه من تفاصيل وأسماء لعلَ وعسى يعتري هذه الأسماء  وملاك القرار ولو بعضا من الحرج الذي يدبُ فيها ولو بعضا من التحرك بدافع التحسين ورفع المعاناة عن المتضررين. شاءت الأقدار أن تصيب إبني ذو العام الواحد حالة طارئة اضطرتني لأحمله وأركض به إلى طواريء أقرب مستشفى مني وكانت “المشفى” في مدينة جدة. بعد أن استقرت حالته قرر الطبيب المناوب بأن الطفل يجب أن يبقى تحت المراقبة ليوم على الأقل ولم يتوفر سرير بالمستشفى فزودونا بتقرير بحالة الطفل ونصحونا بأن نذهب إلى أي مستشفى آخر بدون إجراءات نقل للمريض حيث أنها حسب قولهم معقدة وتستغرق وقتا والحالة طارئة. حاولنا الإستفسار عن إمكانية وجود سرير متاح في مستشفيات أخرى عبر الهاتف لكن كان الرد المتكرر بأنهم لا يملكون الصلاحيات لإعطاء مثل هذه المعلومة بدون معاينة طبيب من عندهم ولم تفلح محاولات إقناعهم بأنه لدينا تقرير بالحالة وأننا لا مانع لدينا من أن يكشف على الطفل طبيب من عندهم مرة أخرى ولكن فقط بعد التأكد من وجود سرير شاغر حتى لا نتكبد نحن والطفل المريض عناء الطريق والفحوصات وضياع الوقت في مثل حالته الطارئة بلا جدوى. إتجهنا بعد ذلك لطواريء مستشفى جدة الدولي ثم مستشفى سليمان فقيه والمستشفى السعودي الألماني ولم نجد سريرا في أي منهم. وقادتنا الظروف المرة الى مستشفى غسان فرعون _كارثة بيئية بإسم مستشفى_ مبنى متهالك قذر وعاملون أبعد ما يكونوا عن المهنية لا هنداما ولا أسلوبا.. طواريء مزدحم بأناس بسطاء قلقون متعبون ولا يعلمون أين يتجهون فالموظف وراء المنضدة لا يملك إجابات للتساؤلات أو أنه مشغول بهاتفه فيأخذ أسهل المخارج ويبعث المستفسرين لمنضدة آخر الذي بدوره يرسلهم عائدين للمنضدة التي أتوا منها..! نسألهم ونحن نحمل طفلنا المريض عن وجود أسرة شاغرة فيجيبون “يجب أن يفحصه الطبيب” فنوافق فيقولون “عليكم الإنتظار فأمامكم طابور من المرضى ولا يوجد سوى طبيب واحد”.. في الطواريء..!!! فنريهم التقرير ونحن يائسون ونقول: “سننتظر ولكن فقط أخبرونا ان كان هناك سرير وفرج بعد الإنتظار فالوقت محسوب علينا”.. ولكن أصروا على موقفهم بلا رحمة ولا حياة لمن تنادي.. غادرنا وسط قلقنا ونيران غضبنا تشتعل فينا وختمنا ليلتنا في مستشفى الأطباء المتحدون حيث تعاونوا معنا وطمأنونا بوجود سرير وأكملنا الإجراءات حتى وصلنا للسرير المعجزة. وحتى بعد هذه النقطة كانت هناك عوامل أخرى مزعجة ولكن تحقق حلمنا بإيجاد سرير كان كفيلا بأن يغضّ بصرنا عنها.

المشكلة الأزلية في شح الأسرَة في المستشفيات ليست جديدة فتاريخها حافل وحاضرها أحفل ولكنني كنت أعتقد متوهمة أنها تقتصر على الحكومية منها. أن تمتد هذه الأزمة لتشمل مستشفيات خاصة، يفترض أنها لا تتحمل إلا من ليس لديه ملف في مستشفى حكومي ومن يستطيع تكبد تكاليف العلاج فيها، أمر خطير. هذا ولم تكن الإجازة المدرسية قد بدأت بعد. فكيف لمستشفيات لم تستطع استيعاب الحالات الطارئة من سكان جدة أن تستوعب أعدادا هائلة من الزوار سيأتون من كل فج عميق..؟!

في حين أن البعض يرون في المطالبة ببعض الحقوق الضائعة بحث عن رفاهية ليست من الأولويات ولا تتعدى كونها سخافة وموضة رائجة، أتوقع أننا نتفق هنا على أن حق الإسعاف والعلاج ليس من الرفاهية في شيء بل هو مطلب أساسي ليس للعيش بكرامة بل لمجرد العيش; أن يجد المريض سريرا يأوي مرضه وطبيبا يعاينه ويسعفه في حينه  وقبل فوات الأوان..!

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s