رجل في نظام ونظام في رجل


تحتاج الى رجل في ذلك النظام ونظام في الرجل تلك الظواهر المزعجة التي تحيط بي منذ ان تطأ قدمي بلاط المطار والى ان تربط المضيفات أحزمة الأمان الخاصة بهن. تبدأ التجربة بخطوات متسارعة  في اتِجاه كاونتر الشحن حيث يبدأ اللعب بالأعصاب. فبالرغم من وجود عشر مكاتب للخدمة وراء الكاونتر أجد اثنين منها فقط تعمل  وأمامهما صفين من المسافرين لا يرى آخره أوَله ولا أوَله آخره..! أين بقيَة الموظَفين؟ ما فائدة تخصيص كل هذه المكاتب للشحن ان لم يكن عليها موظفين؟ هل يتقاضون رواتب في حين لا يجلسون على مكاتبهم؟ هل يغطِي عليهم زملاء المهنة ليتبادلوا الأدوار لاحقا؟ هل يعلم المشرف عليهم بما يجري؟ لحظة.. أين المشرف أصلا لم أره طوال فترة انتظاري في الصف والتي تجاوزت النصف ساعة؟!! هذه الأفكار تنهش خلايا مخِي ريثما أصل للكاونتر.. تأخذني خطواتي العسكرية بعدها _الخطوات العسكرية لا علاقة لها بعسكرنا_ الى محطَة التفتيش حيث لا يتسنَى لي أن أقف في الصف _وان كان وصفه بالصف لا يليق بماهيَته فهو أشبه بتجمُع الطلاب في الفسحة المدرسية عند شبَاك المقصف_ ويجب علي كإمرأة ان أتبع اتِجاه صورة المنقَبة مع أني لست منقَبة وهي لا تمثِلني..! تقودني الصورة الى وراء السِتار وما أدراك ما وراء السِتار.. انَه ستار آخر.. وما خفي كان أعظم..! وراء السِتارين كومة نساء يتدافعن في غرفة محيطها تسعة أمتار بها ثلاث موظفات بالزي العسكري.. اثنتان تجلسان تتجاذبن أطراف الحديث وأمامهما دلة قهوة عربية وصحن تمر وجهازي تفتيش مهملين.. والثالثة عابسة تمرر جهازها على المتدافعات وهي تردِد بآليَة “يالله.. ورا.. يالله.. ورا” صور لغوانتناموا تمر في مخيِلتي ولم أره يوما! أخرج من خلف السِتار اثالث والأخير وآخذ نفسا عميقا كمن كان تحت الماء فقد حبست أنفاسي منذ الستار الأول..  بقلق أبحث عن شنطة يدي التي تغطيها حاجيات آخرين والتي كان بإمكان أي أحد أخذها والمضي بها دون مساءلة بينما أجد طريقي بين الستائر الساترة للأجهزة المهملة.. ولكن المفتِش هنا أيضا حيث لا يوجد ستار واقف هو اللآخر ليتجاذب أطراف الحديث مع زميله ولا أحد يراقب الشاشة!!! ريثما أجد ضالَتي أفكر “لماذا لا أستطيع المرور من تحت الجهاز الخارجي مع عائلتي وبقيَة المسافرين وان استدعى الأمر يتم ارسالي لما خلف الستائر كما يحدث في الدول المتقدِمة”.. ألتقط شنطتي التي أدًت رؤيتها الى قطع حبل أفكاري الخشن حيث سلمت من الاختطاف وأتوجَه الى البوَابة لأجلس أمامها لحين ان تفتح.. أنغمس في مقعدي وأغمض عيناي لبعض الوقت لأريحهما مما أصابهما من مشاهد.. وبعد ثوان اسمع إعلان لطفل ضائع.. “آه افتحي عينيك فلا فائدة من اغلاقهما.. ستجد كل حاسة ما يزعجها هنا..” “تبَا لأهلك الذين أضاعوك” وتستمر قراءاتي لما أراه وما أسمعه تنهش خلايا مخِي التي لا تنام..

فتحت عيناي لأجد تجمهر عند بوَابة رحلتي.. ولكنني لم أسمع إعلان فتح البوابة.. وقفت لآخذ نظرة أكثر دقَة فلم أجد أي موظف عند البوَابة وهي لم تفتح بعد..! توجَست خوفا من ان يكون قد طرأ تغييرا على رقم البوابة في آخر لحظة وبدون انذار _وقد حدث ذلك معي مرارا_ توجَهت لشاشة عرض الرحلات لأتأكَد ووجدتها لم تتغيَر.. عدت أدراجي للبوَابة ومازلت متوجِسة من هذا التجمهر فسألت رجلا قريبا من البوَابة بما أن الأقرب هم من بدأوا التجمُع بطبيعة الحال: “لو سمحت، هذي بوَابة رحلة الرياض صح؟” فأجاب بنعم.. فاستطردت: “نادوا عليها؟” فأجاب بلا ولم يبرِر وقوفه..! ولكن هل استطيع ان ألومهم فهم غالبا ضحايا سابقين للأوفر بوكينج حيث يتم تغيير نوع الطيارة بطريقة عشوائية غير مدروسة بعد ان حجز المسافرين المقاعد وتكون الطيارة الجديدة ذات مقاعد أقل وينتهي الأمر بعدد من المسافرين بلا مقاعد..! أو قد يكونوا ضحايا عدم وضوح النِداء وربَما ضحايا ثقافة القطيع.. المهم أنهم ضحايا فلا يوجد من يفضِل الوقوف على الجلوس ان لم يكن لديه سبب وجيه على الأقل بالنسبة له..! تركته وعدت لمقعدي متَخذة وضعية الترقُب هذه المرَة وظللت أراقب البوَابة عن بعد فمفاجآت مطاراتنا كثيرة ولا اتطلُع لها..!

بعد النداء الأول للرِحلة، انضممت للمتجمهرين في طابور عنقودي الشكل ونزلنا جميعا حيث صالة انتظار الباص حيث يقف كل مسافر اينما يشاء وأمام من يشاء متى ما شاء، وفي نفسي أقول: “ليش يعني ما يحطُّوا مسار ينظِم المسافرين غصب ويضطر كل واحد ينزل ياخذ مكانه الطبيعي؟؟؟” ثم صعدت الى الباص ذو المقاعد المحدودة وقد كتب فوقها أنَها مخصَصة للنساء وكبار السِن ولكن يجلس فيها ذكرين شابَين _أتحفَظ على تسميتهم رجالا_ ينظرون الى النساء والأطفال الواقفين بلا مبالاة..! خطر لي ان استدعي انتباههم لما كتب فوق رؤوسهم الخفيفة ولكنِني تردَدت فغالبا لا يرجى من أصحاب الرؤوس الخفيفة تجاوبا محمودا.. وبطبيعتي التي اعتادت ان لا تسكت عن الحق والممارسات الخاطئة طلبت من ابني ذو السبعة أعوام ان يقرأ المكتوب لي ليتمرَن على القراءة ولم يكد يبدأ بالقراءة حتى طلبت منع رفع صوته لأسمعه بوضوح..! وكما هو متوقَع فقد تظاهر الشابان العمي بأنهم صمّ كذلك.. ولكن نظرات من حولنا لهم والابتسامات الصفراء على الموقف كانت مرضية لي.. فربَما هم محرجون وربَما لا يكررون فعلتهم.. ربما.. ولو أني جلست فوجدت مسنَا أو مسنَة واقفين لبادرت بالوقوف ليجلسوا وكذلك كان سيكون موقفي مع الحامل أو المرضع التي تحمل طفلها.. فالأفضليَة لمن هم أضعف بنية..

على الطائرة مقاعد خالية وركَاب واقفون يعطِلون سير الركَاب الآخرين ريثما يتناقشون في سبل تغيير مقاعد نسائهم لتكون بعيدة عن الرجال.. ويصل راكب الى مقعده أخيرا والذي حجزه في مقدِمة الطائرة ودفع عليه رسوما إضافية ليجده مشغول وتبدأ فوضى أخرى وأخرى.. ويمر ببالي مشهد من حلقة الخضار كما أتذكره من طفولتي.. أتَخذ مقعدي وأتنفس الصعداء فتأتيني مضيفة تستأذنني في ان أغيِر مقعدي لأحلّ أزمة امرأة لا تريد ان يجلس بجوارها رجل!  وما بدا انه استئذان سرعان ما أخذ هيئة الأمر عندما رفضت العرض فرمقني كل من المضيفة والرجل الواقف خلفها بنظرات مستنكرة! تبسَمت لهم وكررت رفضي مع اعتذار.. لن أكون جزءا من ظاهرة حلقة الخضار في غير حلقة الخضار.. ظاهرة علاجها يستدعي ادخال برمجي بسيط لنظام اصدار بطاقات صعود الطائرة ليظهر جنس الراَكب على مقعده ويتمكن الموظَف من تلبية احتياجات المسافر ووضعه وأهله حيث يناسبهم من المقاعد الشاغرة.. صحيح هل وجد الطفل الضائع أهله الضائعين!!!

تجربة السفر تعكِرها مشاهد غير حضارية ومزعجة لا يحتاج القضاء عليها سوى ان يكون الرجل في ذلك النظام صاحب قرارات مدروسة صادرة هي الأخرى عن نظام في منهجية تفكير ذلك الرجل..

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s