نحن والبعبع..!


     قبل أيّام قلائل قلت لمعلِمات ابني غير المسلمات: “هابي ثانكس قيفينق” مهنأة إيَاهم بعيد الشُكر الذي يشكرون فيه الله على نعمه، وبعد أيَام قلائل سأقول لهم: “هابي كريسماس” و “هابي نيو يير”، مع أنِي سمعت أصواتا خافتة من حولي تقول: “اسسس.. اسسس” ولأني معتادة عليها أينما ذهبت كوني لا أضع غطاءا على وجهي، فقد فهمتها.. وهي تعني “استغفر الله”، ومن يردِدونها يستغفرون ربَهم من الإثم الذِي ارتكبوه لمجرَد رؤيتهم لوجهي أو سماعهم لتهنأتي أو أحيانا مجرَد سماع صوتي غير الرَقيق.. الخ والقائمة تطول!

 هناك فتاوى مستندة الى اجتهادات متشدِدة ذهب اليها شيوخ الصَحوة تفيد بأن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم لا تجوز قطعا، بل ذهبوا الى أنَ ذلك أعظم إثماً عند الله وأشدّ مَـقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام..!!

وفي رأي لمفتين لهم شأن عظيم يلقِنون المسلمين طريقة الرّد الجائزة: “فإن قال قائل: إن أهل الكتاب يهنئوننا بأعيادنا فكيف لا نهنئهم بأعيادهم معاملة بالمثل ورداً للتحية وإظهاراً لسماحة الإسلام.. إلخ، فالجواب: أن يقال: إن هنئونا بأعيادنا فلا يجوز أن نهنئهم بأعيادهم لوجود الفارق، فأعيادنا حق من ديننا الحق، بخلاف أعيادهم الباطلة التي هي من دينهم الباطل، فإن هنئونا على الحق فلن نهنئهم على الباطل”. ولكنَ هؤلاء ذاتهم حرَموا أيضا زيارة غير المسلمين وزيارة دور عبادتهم في نفس السِياق، قبل أن يخرج علينا شيوخا ومفتين ورجال دعوة وقد زاروا بلاد الكفّار واستقبلوهم في بلادنا ومنهم شيخ الملايين الذي خلع زيُه الاسلامي ووضع زي الكفَار واستجاب لدعوة وجِهت له لزيارة كنائسهم.. فأين يتركنا ذلك؟ بل كيف تجاري تلك الفتاوى إن صحَت الزّمن الذي نعيشه في ظل الإنفتاح على عالم واسع لا نشكِل سوى 23 % منه.. الإنفتاح الذي بنينا عليه تعاونا سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا بحيث أصبحت زيارة بلدان العالم مسلمة كانت أم غير مسلمة والإختلاط بناسها أوحتى استقبالهم أمر محسوم.. أضف أنَ من غير المسلمين من هم جيراننا وزملاؤنا في الدراسة وفي العمل ورؤساؤنا ومنهم أقارب في حال تزوَج رجالنا منهم.. فكيف لنا أن نتعامل مع هؤلاء بذلك القدر من الجفاء فلا نهنئهم ولا نردُ تهنأتهم ولا نعودهم في مرضهم.. وهل هذا مطلب منطقي أو واقعي؟؟ ولماذا كل هذا العدوان والغلظة من الأساس.. وعلام وممَ نخاف لنتعامل معهم وكأنَهم البعبع في حين أنَهم يهنؤننا بأعيادنا بكل سلام وأريحيَة؟!

ما لا أعلمه هو آليَة الإجتهاد الذي قامت عليه فتاوى الغلو، أمَا ما أعلمه هو أنَها أولا وأخيرا اجتهادات وليست حكما فقهيَا وبذلك هي غير ثابتة ويجدر مراجعتها بحسب تغيُر الظروف ومستجدَات البحوث.. فالله سبحانه وتعالى يقول: “وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا” ويقول:” لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” كما أنَ النبي –صلى الله عليه وسلم- عاد غلاما يهوديا، ودعاه للإسلام فأسلم.. وقبل كذلك هدايا غير المسلمين مثل المقوقس عظيم القبط بمصر وغيره..

وأمَا الكلمات المعتادة للتهنئة في مثل هذه المناسبات فهي لا تشكِل إقرار لهم على دينهم، أو رضا بممارساتهم، ولا تتعدَى كونها كلمات مجاملة تعارفها الناس تردَد من قَبيل البر الذي حثَنا الله عليه والحسنى في المعاشرة.

و يا بنيَ قم للمعلِم وفِه التبجيلا، فله دينه ولك دين..

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s