أمانة الأمانة


أعترف أنَني ذات يوم وجدت سيجارة مستعملة وخلسة انتشلتها واختبأت لأجربها وكانت نبضات قلبي تتسارع من عوامل مجتمعة.. المغامرة بتجربة شيء جديد وممنوع والخوف من ان يكشف ستري أحدهم ويفضحني والشُعور بالذَنب جميعها كانت رفيقتي في تلك الدقائق المعدودة من السَنة التاسعة من عمري الذي يبدو لي الآن طويلا بكثرة ما تخلَله من تجارب.

تذكَرت كم كنت خائفة في تلك الدَقائق العتيقة وأنا أشاهد اليوم طفلة ومعها ثلاث أطفال يبدو عليهم أنَ أعمارهم تتراوح بين الأحدعشر والأربعة عشر عاما يجلسون وحدهم على طاولة مقهى شهير في منتصف الليل خلال عطلة نهاية الأسبوع، وينفخون دخان المعسِل من أفواههم الصغيرة وسط زحام المقهى وأمام أنظار العامَة بكل أريحيَة بينما يجدِد لهم العامل الفحم مرَة تلو الأخرى. اسوقفتني جرأة أطفال هذا الزَمن وهم لا يخافون لومة لائم، ولكن مع ذلك لم ألمهم فهم بالنِهاية أطفال يعشقون المغامرة ويرغبون الممنوع ولا يعون عواقب أفعالهم..  وأما أهاليهم فربَما أوصلوهم لمنزل أحدهم ولا يعلمون بمغامرتهم الصَغيرة، وعدم حرصهم أيضا احتمال وارد.. ولكن بالنِسبة لي فاللوم كل اللوم يقع على عاتق صاحب وعمَال المقهى المتهاونين في مسؤوليَتهم الإجتماعيَة قبل القانونيَة. ربَما كانت ردَة فعلي لتتوقف عند ذلك الحد لو وقع هذا المشهد قبل تسع سنوات وتحديدا قبل أن أصبح أمَا يؤرقها كأي أم مستقبل أطفالها عندما ينشؤون في هكذا ظروف. ذلك اليوم الذَي لم أفهم قبله سر شراسة القطط المرضعة والتَي كنت لا أرى ما يستدعيها.. عزمت على إتِخاذ موقف صارم واخذت في حينها صورة للأطفال لإثبات بنيتهم الجسديَة الضئيلة وحرصت على إزالة ملامحهم فهدفي أبعد من شخصهم البريء.. وعلى مدى ثلاث أيام وبمعدَل إتصالين في اليوم لخط الأمانة المخصَص للبلاغات لم أتمكَن من الوصول لمأمور للتبليغ. فلجأت لحساب وزارة التجارة على موقع التواصل الإجتماعي “تويتر” والذين أكَدوا أنه ليس من اختصاصهم وأن عليَ اللجوء للأمانة. ثم قمت ببحث صغير على الإنترنت واكتشفت من خلاله وجود تطبيق للهواتف الذَكية تم تطويره من قبل الأمانة خصِيصا لتقديم البلاغات فهممت بتحميله وتقديم بلاغ مفصَل بتفاصيل الواقعة والموقع وأرفقت معه الصورة للإثبات. وبعدها بساعتين فوجئت بإتِصال موظَف الأمانة الميداني والذي لم يكن يعلم من البلاغ المفصَل سوى رقم هاتفي المتنقِل. وبعدما اضطرَني لإعادة شرح جميع التفاصيل حتَى اسم المقهى وموقعه، قال بكل بساطة: “لو كان المقهى قدَم المعسِل في منطقة مغلقة لأقفلته في التو واللحظة، أمَا أعمار من يقدِمه لهم فلا علاقة لنا بها”..!!! وبعد نقاش طويل دار بيني وبينه بخصوص قرار الدَاخلية منع بيع الدُخان لمن هم أقل من الثامنة عشر والتناقضات التَي حملها ردُه، وافق أن يذهب للموقع للمعاينة وتبليغي بما يستجَد تحت طلبي.. وحسب كلامه: “بس أهم شي لا تكوني متضايقة”!!!

انتظرت يومين ولم يأتني أي خبر، فقدَمت بلاغا آخر وهاتفني موظَف آخر وتكرَرت نفس القصَة ولكنَ هذا الآخر بدى لي أكثر تجاوبا وأخبرني أنه سيزور المقهى في حينها.. ثم في إتِصال لاحق قال بأنه أعطاهم إنذارا فطلبت منه تزويدي من خلال رسالة بصورة من الإنذار فوافق، ولسبب ما قام بتزويدي برقم مدير الأمانة في المدينة المعنيَة وقال: “الموضوع عنده” واختفى بعدها بلا أثر له أو للإنذار.. وفي مشوار الألف ميل تواصلت مع المدير وكانت قصَة طويلة أخرى.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s