في معسكرات التعليم المدهنة


ما زلت أذكرها.. تمشي وصدرها يخنق رأسها الذي ترفعه للأعلى بحثا عن الأكسجين أو ربَما لتعكس ثقة في النفس مزيفة.. كريهة لا يحبَها أحد.. تبتسم ابتسامة مخيفة تخفي وراءها خبث ونيَة بالشر.. تحمل في يد مسطرة خشبية طولها ستِين سنتيمتر وفي اليد الأخرى جالون زيت عافية.. يسترق النظر إليها جيش الطالبات بينما يطأطئن رؤوسهن للأرض تحاشيا لإستفزازها.. يترقَبن كل صباح ما ستظهر حاملة في يدها اليسار فالمسطرة الخشبيَة العملاقة لا تفارق يمينها.. تحضر كل صباح بفكرة جديدة لممارسة عنفها على الطالبات المكسورات وتمشي متبخترة بنظرة تحدِي وتشفِي واستهزاء.. تسقط عيناها على جدار من المعلِمات المتملِقات فيقهقهن دعما لها ويتبادلن معها نظرات الإعجاب بأفكارها المتجدِدة أبدا.. شرذمة قليلات يجتمعن حول بعضهن في الناحية الأخرى يبتسمن لها بتحفُظ حتى لا ينتهي بهن اليوم في لائحة أعدائها.. تبدأ جولتها التفتيشية بين طوابير الكسيرات بينما يقرأ القرآن في إذاعة الصباح ولا يستمع له أحد.. فالطالبات منشغلات يصارعن أعراض هبوط ضغطهن في حين لا يعلمن ما هو هبوط الضَغط بعد، والمعلمات منشغلات في كتم ضحكاتهن بينما يتفرَجن على مسرحيَة الصباح الهزليَة. أبطأت خطواتها البطيئة من الأساس ووقفت بجانب طالبة كانت قد نسيت أن ترتدي “القبَة” _قطعة قماش بيضاء مفروض على الطالبات ارتداؤها حول رقبتهن بلا هدف_ سقطت الطالبة مغشيا عليها وارتفعت أصوات شهقات باقي الطالبات وعادت بلمح البصر وانخفضت ما إن ارتفعت عبنا هولاكو _هكذا كنَا نلقِبها_. وفي مشهد أشد رعبا من كل ما سبق رفعت هولاكو المسطرة وهبطت بها بقوة لتضرب كتف المغشي عليها لتتأكد من صدق فقدانها لوعيها من عدمه.. ظلَت الطالبة جثة هامدة بلا استجابة فأمرت المراقبات بحملها للداخل وبكل هدوء مضت في جولتها بلا منغِص. في طابور آخر لاحظت خصلات شعر طائرة لم تشملها ربطة شعر الطالبة وهنا توقفت وبانت نواجذها وكأنها وجدت ضالَتها ووضعت مسطرتها تحت ابطها العريض، وأزالت غطاء جالون الزيت والجميع يشاهد في ذهول، وصبَته فوق رأس الطَالبة التي لم تجرؤ على الحراك رغم انهياها بالبكاء وانهيار المعلِمات بالضحك. نعم شرب شعرها الزيت بصحَة وعافية. قصة حقيقية.

عادت لذاكرتي تلك الحقبة المروعة _التي كنت قد اعتقدت أنها من عصور التعليم المظلمة التي ولَت_ بعدما شاركتني مغرِدة بما حدث لإبنتها وزميلاتها حديثا عندما عدن من المدرسة بدهن الفازلين يملأ رؤوسهن بسبب خصلات هربت من الربطة. وعلَقت أخرى “في مدرسة ابنتي تضع المديرة علكتها في جذور خصلة شعر الطالبة النَاشزة _أعني بالنَاشزة الخصلة_ حتى تجبر الطالبة على قصِها من منابتها وتحضر للمدرسة مشوَهة لمدَة بحيث تدفع ثمن نشوز خصلة شهرعا تلك. وتتالت التعليقات المروِعة بتفاصيلها وعددها وزمنها..!

كنَا ندَعي المرض لنتغيَب عن حضور مسلسل الرعب في معسكر التَعليم.. وكما هو واضح فالوضع ما يزال قائما.

نسخة مع التحيَة لوزير التربية والتعليم.

 

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s