محطَة بلا وقود أو بقالة


سألني أحدهم عن المحطَة التي غيَرت حياتي والتي لن أنساها.. لا يزال السؤال يطفوا على سطح المكتب بلا إجابة لأكثر من اسبوع عشعش خلاله في عقلي الباطن وانقسم وتكاثر، وأجبرت أن أسرح به دقائق من كل يوم لأستعيد مشاهد من الماضي وأفيق قبل أن ينتهي المشهد وكأنني أهرب من ذاكرتي ومن الإجابة..

مشهد: أنتقل مع الأسرة من مدينة جدة للعاصمة.. معتادة أنا على الترحال وترك الصداقات.. أذهب للسوق لشراء بعض المستلزمات للمرحلة الجامعية.. يطاردني رجل هيئة يلبس بشتا ويمسك خيزرانة وبمعيَته عسكري نحيل منكسر.. سمعت عن الهيئة قبل ذلك ولم أرهم.. أتوقف لأواجهه، فيصرخ بوجهي: “غطِي” وهو يهش بالخيزرانة.. لقلَة خبرتي، يرعبني الموقف وأمتثل.. لا يتركني.. يقول: “ارفعي عباءتك على رأسك لا تجوز عباءة الكتف.. لا تجوز”.. أرد: لكن هي مصممة عباية كتف كيف أرفعها على راسي؟” يكمل صراخه وهو لا يسمع كلمة ممَا أقول، فعلى ما يبدو هو حوارا من طرف واحد: “ارفعي عبايتك على راسك ولا اطلعي من السوق”.. فرفعتها وكنت أرتدي “برمودا” _كان رائجا البنطال الذي ينتهي تحت الركبة آنذاك_ فظهرت ساقاي، فعلى صراخه وكاد أن يضربني بعصاه: “استغفر الله.. استغفر الله.. غطِي رجليك”!!!! كان قد تجمع كل من بالسوق ورأى المشهد وساقاي والذنب ذنبه.. مغفَل

مشهد: في الجامعة، طالبات من قسم الدراسات الإسلامية يتربَصن بطالبات قسم اللغة الإنجليزية.. ينتظرننا على مدخل القسم ليحتسبن.. يقلن لنا: ” تتعلمن لغة الكفَار ألا تعلمن أن من تعلَم لغة قوم صار منهم”، ثم يأمرننا بأن نراجع أنفسنا ونحوِل تخصُصنا لقسمهن. بعد انتهاء ساعات الدوام وخلوُ القسم، يداهمن خزائن طالبات اللغة الإنجليزية ويكسرن أقفالها ويفتشن أغراضنا ويتركنها مبعثرة على الأرض، يخلين أرض المعركة مع العدوُ الوهمي بعد أن يكتبن بالحبر العريض على أبواب الخزائن المترنِحة رسائل سخرية وتحدِي تفيد بأنهن سيعدن يوما آخر..! داعشيَات في طور التكوين!!!

مشهد: تستدعيني رئيسة القسم.. كنت طالبة متفوقة ونشيطة وغالبا حلقة وصل بين الإدارة وزميلات الدراسة.. أذهبت لمكتبها واثقة الخطى.. تخبرني بأن آخر مقال كتبته للمشاركة في مجلَة القسم الشَهرية “ممنوع من النَشر” _ عبارة ما زالت تطاردني حتى بعد أكثر من عشر سنوات_ عنوان المقالة “لماذا نخاف من التعبير عمَ يزعجنا”.. يا للسُخرية..

ومشاهد ودقائق وتفكير لا يستريح.. الجواب ياصديقي: محطَة المرحلة الجامعيَة بحلوها ومرِها كان لها التأثير الأكبر بما تخلَلها من كشف التناقضات وسقوط الأقنعة وصفعة الواقع والبحث عن الحقيقة..

 

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

2 Responses to محطَة بلا وقود أو بقالة

  1. مسائك جميل يا تماضر.. عدت بعد انقطاع طويل!
    هذه المواقف تجعل هناك رابطة معينة لأبناء جيلنا الذي عاصرها.. ومع أنها تركت أثرا كبيرا شكل مواقفنا القوية.. أعلم أن الأجيال الجديدة والتي لم تمر بها لن تفهم أبدا..
    بعد غيابي عن السعودية لفترة طويلة وعودتي.. تغير كل هذا.. ظننت أن ذاكرتي خانتني.. وقد شعرت فعلا بالخيانة لأن العالم الذي عرفته واعتدت نقده.. اختفى..
    أو على الأقل بدأ يضمحل..
    هذا السكون يجعلني أحيانا أتوجس خيفة..
    هل نحن في سبعينات أخرى؟ وهل سيكرر التاريخ نفسه؟
    تحية لك..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s