كخة يا بابا


images (3)  حسب المعلومات المتاحة، فإن الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأسست كجهاز حكومي مستقل في السعودية عام 1940 وذلك بعد ثمان سنوات من توحيد المملكة بمرسوم ملكي في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود _رحمه الله_ تضمَن تعيين الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ كأول رئيس للهيئة بمرتبة وزير. ويقال أن صاحب فكرة انشاء الهيئة هو الشيخ العلاَمة محمد بن مسلم العثيمين الذي توفي عام 2009 عن عمر يناهز المائة والثلاثون عاما ولكنه مع ذلك ولسبب ما، لم يكن يوما من أعضائها، ولو أن المفهوم موجود قبل ذلك بإسم الحسبة منذ توحيد المملكة حيث قام الملك عبدالعزيز آل سعود بتعيين الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ ، وعيَّن معه جماعة من العلماء كالشيخ عمر بن حسن آل الشيخ ، والشيخ عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ ،والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ ؛للاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن كنتم قد لاحظتم حصر الأعضاء المعيَنين في عائلة آل الشيخ، فلا غرابة في ذلك.. فالآن وبعد ما يقارب المئة عام، رئيس الهيئات هو من آل الشيخ كذلك، ومفتي عام المملكة بنفسه من آل الشيخ.

تأخذ الهيئة دور الشرطة الدينية وتتلخَص مهامها حسب وصفها في: إرشاد الناس وتوجيههم وحثهم على فعل الخير عن طريق الترغيب، تنبيههم على خطورة المنكرات ونهيهم عن الوقوع فيها، العمل ما يحول دون ارتكاب المحرمات والممنوعات شرعاً، العمل على منع اتباع العادات والتقاليد السيئة والبدع المنكرة. حمل الناس على أداء الواجبات الشرعية، الحرص على أن تظهر هذه البلاد بالمظهر الحسن المشرف اللائق بها بصفتها قلب العالم الإسلامي وقدوته ومحط أنظار المسلمين، وصف مثالي عائم، والتالي وصف أكثر تحديدا وأقرب للواقع: تقوم الهيئة بمراقبة تطبيق الشريعة الإسلامية _ حسب منظور المؤسسة الدينية السعودية_ في الأسواق العامة وغير ذلك من الأماكن العامة، والحيلولة دون وقوع المنكرات الشرعية والتي منها منع الممارسات التي تظهر عدم الإحترام للدين الإسلامي؛ كفرض إغلاق المحلات والمطاعم في أوقات الصلاة _علما بأن ذلك لا يستند إلى أي دليل شرعي فترك البيع ذكر في القرآن الكريم في صلاة الجمعة تحديدا_ والتأكد من أداء المسلمين من العاملين للصلاة الجماعة في المسجد، و مراقبة لباس النساء والتأكد من ارتدائهن للزي الموحد الرسمي و هو لباس اسود واسع يغطي الوجه والشعر و الجسد كاملا، ومراقبة المارة سواء كانوا على أرجلهم أو في سياراتهم لكشف العلاقات غير الشرعية، ومنع أعمال السحر والشعوذة، والدجل لأكل أموال الناس بالباطل، كما يسند للهيئة محاربة المسكرات والخمور و أوكار الدعارة والسهرات الماجنة. وتتم معاقبة المخالفين باصطحابهم إلى أقرب مركز للهيئة واستدعاء أولياء أمور النساء منهم والقصَر من الذكور و تحرير تعهد بعدم تكرار المخالفة أو تحويلهم للشرطة للتعامل مع المخالفة قضائياً.

كما يعتقد الكثيرون بأن الهيئة تحقق نجاحات في ضبط كثير من المنكر، يعتقد البعض اللآخر أنها نجحت كذلك في تحقيق كمَا هائلا من العداوات. العلاقة كما أراها لها وجهان: الوجه الموالي للهيئة والذي يمارس الطاعة العمياء ويؤمن أن الهيئة هم حراس الفضيلة في المجتمع وأن المجتمع بلا أخلاق أو فضيلة أو إسلام بدونهم. هؤلاء يستفزهم أي تحرك يخطِيء الهيئة أويصحِح مسارها وهم أصدقاء الهيئة وقد يكون منهم كذلك هاربون من الهيئة أحيانا وشعارهم “أحب الصالحين ولست منهم”!

الوجه الآخر للعلاقة هم الذين يؤمنون بمسؤولية الفرد تجاه نفسه وخلقه وأن الهيئة متجاوزة بتدخلها في اختيارات الانسان البالغ المخيَر. ينطلق هؤلاء من مبدأ ان الصالح لن تزيده الهيئة صلاحا والفاسد لن تزيده تورُعا، وأما المتجاوز فالأولى أن يتعامل معه الأمن ويطبق القانون في حقِه بدون حاجة للهيئة ولإجتهاداتها وتجاوزاتها التى على كثرتها لطالما وصفت ب “تجاوزات فردية”! المنتمون لهذه الفئة منهم من ينتقد الجهاز بقسوة أملا في إصلاحه إن لزم بقاؤه، ومنهم من يستعدي الجهاز وكل ما يأتي منه ولا يرى اصلاحا إلا بإلغاءه. معادين الهيئة من عامَة الناس يستندون إلى حقائق وأسباب جديرة بالإهتمام والتي من أقلَها أهميَة: عنجهيَة أعضاء الهيئة الميدانيين وتبخترهم بمشالح (بشوت) غير ضرورية و بمعيَة أفراد أمن لتحصينهم، ولا سيَما تصيُدهم الأخطاء عوضا عن معالجة الظاهرة منها فقط وبإسلوب يخلو من الموعظة الحسنة. مسبِبات العداوة بين الطرفين تتجاوز المظاهر السَطحية المذكورة سابقا إلى سلوكيَات أكثر إجراما وتعدِيات واضحة على الخصوصيَات والحقوق والأنفس، وفي كل التَعديَات تفلت الهيئة من المسؤولية و العقاب وكأنَ أعضاءها يتمتَعون بحصانة (غير شرعيَة) تخوِلهم نكران المنكر والإتيان به..! ففي عام 2007 أدَت مداهمة أفراد الهيئة لمنزل مواطن إدَعوا أنه يتاجر بالخمور لوفاته بعد أن ضربوه حتى فارق الحياة حسب التهمة التي وجهت لهم وبرِأوا منها لاحقا. وفي عام 2008 إشتبه أعضاء من الهيئة في سيارة تقل شابَأ وفتاة وبالرَغم من منع نظام الهيئة للمطاردة إلا أنهم قاموا بمطارة السيَارة وتسببوا بإصطدامها بشاحنة واحتراقها بمن فيها. وفي عام 2012 طاردت الهيئة شابَا وفتاة بنفس الظروف في مدينة الباحة، كما قامت سيارة تابعة للهيئة في ذات العالم بمطاردة عائلة في محافظة بلجرشي لتشغيلهم للموسيقى في سيارتهم متسبِبة في مقتل الأب وبتر يد الأم ورقود الإبنة في العناية المركزَة على إثر سقوط السيَارة في حفرة لمشروع قيد التنفيذ. وآخر ما سأذكره من التجاوزات، حادثة اليوم الوطني من عام 2013 الشَهيرة عندما طاردت الهيئة سيارة تجمع أخوين في الرياض وسط احتفالات اليوم الوطني لتسقط من أعلى الجسر وتنهي حياتهما. الجدير بالذكر أنه في الحادثة الأخيرة أدانت لجنة التحقيق مبدئيا أربع أعضاء من الهيئة بتهمة تضليل العدالة  بتزويرهم لمحاضر الضبط قبل أن ينشر خبر تبرئتهم والأعضاء المطاردين من جميع التهم..! وعندما ثبتت من باب التَغيير إدانة عضو هيئة بشج رأس فتاة في حديقة عامة في مكة لأنها لم تمتثل بأمره تم إعلان توجيه “عقوبة اللوم” له يعني “كخَة يا بابا”!

إنَما هذه التجاوزات غيض من فيض، فهل عسانا نلوم الكارهين بعد كل هذا؟

الهيئة كجهاز يشتكي من فشل إداري عميق وفجوة أعمق بين الإدارة والموظفين، فمع إن الإدارة كما شهدنا مؤخرا تحاول إتخاذ خطوات اصلاحية، لكنها لا تحسن مراقبة تطبيقها أو قمع تجاوزات أعضاءها، الذين بدورهم لا يأخذون دور الإدارة بجديَة وينطلقون في الميدان وسط ضبابية في الصلاحيات محبَبة الى أنفسهم تفرض نرجسيَة وفوقية في اسلوبهم غير محبَب الى أنفس البشر. اجتماع سوء الإدارة مع سوء اختيار الكوادر وقلَة ان لم يكن انعدام التدريب بالإضافة الى علو سقف الصلاحيات وميوعتها، كلها أدت الى اصطدامات غير منتهية بين رجال الهيئة والمجتمع.

كان رجال الحسبة فيما مضى يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مقابل الأجر الربَاني، يدعون بالحكمة والموعظة الحسنة لعلهم يكسبون قلوب الناس فيسمعون لهم. أما الآن باتوا يمشون متبخترين ببشوت متمشيخين على الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مقابل المال. يمشون وخلفهم رجال أمن ليحميوهم من الناس والأولى ان يحموا الناس منهم، فهم من يلاحقون الناس ويتجسسون عليهم ويضعون كمينا تلو الآخر كما ولو لم يأمر الله ورسوله بالستر! يمشون محتمين بالأمن وكأنهم يعلمون ببغض الناس لهم، وبدل أن يتحروا أسباب هذا التنافر ليقتلعوها من جذورها ويعودوا ليقتربوا من قلوب الناس اتوا بمن يحميهم منهم ويفرضهم على البشر ليزيدوا الطين بلَة!

إن مستقبل علاقة الهيئة بالمجتمع يعتمد كليَا على مدى جدِية الجهاز في الإعتراف بأخطاءه ثم دراستها ووضع خطَة تدريب وعمل شاملة وتطبيقها بصرامة وعدم تهاون. وليكن أول هذه الإصلاحات وأهونها، إجبار الميدانيين منهم على التخلِي عن البشت _الذي هو من البدع التي ينكرونها_ وكل مظاهر الخيلاء والإستعاضة عنه ببطاقة تعريف بالإسم والجهة التابعة تميِزهم للمواطن وتعرِف بهم ليشعروا بقابليَتهم للمساءلة ويشعر المواطن بضمان حقه في تسجيل التجاوزات بإسم العضو المخالف والتبليغ عنها. أمَا إن لم يصلح حاله، فشخصيا ارى أن يستبدل الجهاز كاملا بقانون تحرش وآداب شامل مفصَل يقع تطبيقه على عاتق رجال الأمن، فيما تناط مهمة مكافحة الخمور للمديريَة العامَة لمكافحة المخدرات وأعمال الدَجل والسِحر والشَعوذة لوزارة العمل أو وزارة التجارة حسب نوعها كحال باقي البلدان الإسلامية والتي لا يقل فيها مستوى الفضيلة!

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s