تابع: صالح لكل زمان ومكان


إن اتَفقنا على أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فنحن نتَفق إذا على أنه دين مرن يمكن تطويعه ليتناسب تطبيقه ويتناسق مع أي معطيات مستجدة زمانية كانت أو مكانية أو ثقافية. فمثلا ذكرنا في المقال السابق كيف أن الله تعالى أمرنا بأن نعدّ للعدوا رباط الخيل وها نحن أثبتنا صلاحيَة الإسلام لزماننا وتمسَكنا بالغاية من الأمر الإلهي والتي هي مقاومة العدو وتركنا ظاهر الأمر وهو وسيلة الخيل ورباطه لأنه ببساطة لا تتحقَق به الغاية. وهنا سوف أحمِل هذا المثال ما يحتمل وأسقطه على نصوص إسلامية أخرى قد شذَت بتفاسيرها وغدت خارج نطاق الزمان والمكان بحيث أصبح تطبيقها بلا معنى ولا يؤدي للغاية التشريعية، وبذلك وجب قراءتها على غير ظاهرها وإعادة تأويلها على ضوء المعطيات الحالية بحيث تخدم صورة الإسلام وتجلب المنفعة للمسلمين لا المشقَة والحرج.

حد الردة كبداية لا أصل له في القرآن بل أنه يتناقض مع كل ما جاء به كتاب الله من نصوص يراد بها التخيير وليس التسيير، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر “أفأنت تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين”، و “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، و “لكم دينكم ولي دين”، و “إنك لا تهدي من أحببت”، و “لا إكراه في الدين”. وإن كنا بحاجة الى حجة أخرى لإعادة النظر في هذا الحد الذي لم يذكر في القرآن مع ان بقيَة الحدود ذكرت، فهو لم يطبَق في السُنة كذلك، فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أقام حد الردَة على أحد مع وجود من أعلنوا ردتِهم ممن حوله أو ارتدُوا وأبطنوا وعلم بأمرهم. علَلت التفاسير القديمة ذلك بأن الإسلام كان في بدايته ضعيفا ولم يرد الرسول التنفير منه، أو أن يقال عنه أنه يقتل أصحابه. وأعلِل أنا حاجتنا الماسَة اليوم لإبطال هذا الحد بأن الإسلام مازال ضعيفا مقارنة بعدد البشر والمسلمون مازال يطلق عليهم أقليَة، وإن كان رسولنا الذي نقتدي به ونتبعه ونأخذ ما أتانا به لم يرد التنفير من الإسلام، فهل نترك غايته وننفِر نحن أشد تنفير وكأنَنا ندَعي تفوُقنا على رسول الله في حكمته! ديننا اليوم تحيط به الفتن أكثر من أي وقت مضى من الداخل قبل الخارج ومن المسلم قبل اليهودي، فالأولى بنا أن نحذوا حذو نبينا في الدعوة بالترغيب وإظهار الإسلام بمظهر متناسق متسامح لا تناقض فيه، وإن كنَا نبارك للداخل في الإسلام ارتداده عن دين آباءه فبأي منطق نحارب ارتداده عن دين لم يعرفه إلا حديثا. وعلى من يقول بأن دخول الفرد في الإسلام يعني وصوله للحق وخروجه منه لا ينبغي لأنه خروج عن الحق بعدما عرفه، أرد: هل كل من يسلم اليوم يعلم القدر الكافي لنفترض أنه وصل للحق؟ ونحن نرى تنافس الدعاة الشرس في عدد الدقائق والثوان وأجزائها التي أسلم فيها أحدهم على يدهم..! ماذا عن من ورثوا اسلامهم ولم يصلوا للقناعة التي تريهم الحق حقا؟ هل نعتبرهم مرتدين إن بدَلوا دينهم؟ وكيف تكون الردَة عن دين لم يدخلوا فيه طوعا وبإختيارهم؟ ماذا لو كان المرتد سيعود مستقبلا ليسلم عن قناعة أكبر، هل يجوز حرمانه من تلك الفرصة وقتله مرتدا؟ بل الأدهى والأمر وربَما أكبر منفِر هو ما نجده اليوم من الفتاوي التي تحكم بالردَة على المسلمين الذين يشهدون بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله من جراء كلمة أو معصية أومذهب. وجب عند هذا الحد الأخذ بالقرآن وسنَة الرسول بممارساته، ومراجعة الحديث الوحيد الذي وصلنا بحد الردة .وأسبابه وظروفه وغايته وتنقية ديننا من التطبيقات التي تسيء اليه أكثر مما تنفعه

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s