القوة الناعمة


نلاحظ مؤخرا ظهور شريحة كبيرة من المجتمع السعودي عالق في المنطقة الرَماديَة. تدَعي هذه الشريحة الإنفتاح والتنوُر والعصريَة، ولا نستبعد احتماليَة كونها تتمنَى بكل صدق أن ترتقي أفعالها لإدعاءاتها، ومع ذلك فإنه في الوقت الذي تنجح فيه هذه الشريحة المجتمعية في التَنظير بهذه القيم، غالبا تفشل في التَطبيق. مثلا، أن يطلب الزوج من زوجته الظهور بأي مظهر يروق لها في البلدان الغربيَة وأن تتحجَب في البلدان العربيَة وأن تغطِي وجهها في السعودية، أو أن ينظِر عن دعمه للمساواة بين المرأة والرجل ومساندته للمرأة ثم تخرج منه كلمات لا شعوريًا وسط الحديث مثل “حريم!!!” في اشارة الى النمطيَة، أو يشير الى زوجته ب “الأهل” وغيرها من ألفاظ تشبَعت بها العقول ويقصد منها التَقليل من شأن المرأة. وهناك من يتفنَن في وصف طرق التربية الحديثة وكيفية احتواء الأبناء وصناعة التأثير الإيجابي، لكنَه يفشل في كبت غضبه عند أول تحدِي يواجهه مع أبناءه. وحتى لا نتَهم بعدم المساواة، سنضرب مثلا من النساء كذلك، فمنهن من وصلت من العلم مواصيل وتبوأت من المناصب ما تبوأت ومع ذلك تجدها تنادي بإيقاف المطالبة بالمساواة واصفة إياها بالتَغريب وتسترسل في تبيان الدونيَة الطبيعيَة لمنزلة المرأة مقارنة بالرجل ومحدوديَة أدوارها التي لا تستطيع تجاوزها مهما عملت، ممَا يبرِر احتلالها المرتبة الثانية في المواطنة أو الإنسانية بشكل عام، متناسية أنها ما وصلت الى ما وصلت اليه إلا بشيء من المساواة..! نتحدَث عن الحوار الوطني في مجالسنا وعن التعايش ونبذ الأحقاد، وما أن ينفضّ المجلس حتى نعيد إرسال رسائل التَحريض ضد مذهب أو آخر. هنا في هذه الحالات وغيرها مما لا يطيق المقال حصرها يتجلَى لنا مدى تجذُر الأيدلوجيَة المتطرِفة والصراع الداخلي عند هؤلاء بين ما يظهر لهم أنه الرأي الأسلم وبين ما نشأوا وتطبَعوا عليه على أنه الأسلم لأجيال ويتوقَعه منهم المجتمع الذي تطبَع حالهم من حاله.

هؤلاء ليسوا بالضرورة منافقين أو كاذبين أو متلوِنين، إنَما قد يصح وصفهم بالأحرار المحتجزين. ذلك لا يلغي وجود المنافق بينهم لكن أحب أن أعتقد بأن فئة كبيرة منهم تقبع تحت تأثر التنشئة الإجتماعية والتي هي احدى أهم أدوات القوة الناعمة. فما هي القوة الناعمة؟ ولماذا سميَت بذلك؟

القدرة على التأثير على سلوكيات الآخرين للحصول على المخرجات التي يريدها المؤثر، أو بكلمات أخرى القدرة على إقناع الآخرين وتوجيههم بطريقة غير مباشرة ليتبنُوا النظريَة التي تخدم مصالح المؤثر ويسلكوا المسلك الذي يؤدي الى تحقيق هذه المصالح (أن يجعلهم المؤثر يريدون ما يريد بدل أن يجبرهم على ما يريد). وهي على عكس القوة الخشنة لا تستخدم العنف أو التهديد أو الدفع المادي للحصول على النتائج ولو عنى ذلك تأخيرا في الحصول عليها.

لو تفحَصنا المجتمع السعودي لوجدنا أن استخدام القوة الناعمة منذ الثمانينات واضح كل الوضوح في المخرجات التي نراها اليوم. وبإستخدام هذا النوع من القوة تحديدا، تناول القائمون على التأثير ثقافة الأفراد وقيمهم وتناولوا الأفكار المتطرِفة والعنصرية بربطها بقيمة الرجل ومستوى رجولته وحتميَة سيادته على الجنس الآخر وعلى الدين الآخر والمذهب الآخر والأصل الآخر و حتى اللون الآخر. استغلَ المؤثرون نزعة الرجل الشرقي للفوقيَة والتسيُد وعدم وجود عنصر نسائي في مراكز صناعة القرار آنذاك، ولكي تبدوا أيدلوجيتهم أكثر اقناعا قاموا بخلط بعض الدين ببعض العرف ببعض الملذَات وبدأ إشراب العامَة للعقار. لعقود تم تأصيل قياس رجولة الرجل السعودي بمدى امساكه بزمام أهل بيته ومدى فرضه لسيطرته على (نساءه) ولو بقوَته الخشنة..! تم تدجين المرأة لتصدِق بأنها خلقت من ضلع أعوج مما يعني أنها عوجاء الفكر والسلوك ولذلك وجب تنصيب ذكر عليها ليقوِم اعوجاجها، إضافة الى أنها وجدت لمتعة الرجل وسلاه، ولذلك وجب قرارها في المنزل لتكون متوفرة وتحت تصرِفه متى شاء. وأن الأنثى وان جار عليها الذكر فأجرها أكبر بالصَبر والاحتساب عوضا عن الشكوى والتقاضي لأنها برضاه عنها تدخل الجنَة..! وأخيرا وليس آخرا، أن الأبناء ملك الآباء خلقوا لخدمتهم فقط، وللآباء الملاك أن يفعلوا بملكهم ما شاؤوا ولو قتلوهم فلا لوم عليهم ولا هم يحزنون.

أصحاب هذه الأجندة مخططون استراتيجيون لا يمكن وصفهم بالسَذاجة أو البساطة، وإنَما جماهيرهم كذلك. فهم من البراعة بمكان بحيث يعون أن القوة النَاعمة تأثيرها وإن طال انتظاره فمفعوله يطول أكثر ويمتد لأجيال يسهل إدارتها والتَحكم بها لأنها تؤمن بما يريده صاحب الأجندة فتنساق له طوعا وحبًا، على نقيض القوة الخشنة التي تؤتي ثمارها فورا لكنَها سرعان ما تتلاشى بتلاشي مصدر القوَة. وحيث أنه يمكن التَصدي للقوة الخشنة بقوة مضادة خشنة كانت أو ناعمة، لا يمكن التَصدي للقوة الناعمة إلا بقوة ناعمة بالإتجاه المعاكس، الأمر الذي قد يستغرق عقود أخرى من التأثير لإصلاح ما أفسده الدهر. والمحاولات التي تهدف لإنتشال المجتمع من هذا التطبيع موجودة، ولو قلَت، ويتبنَاها مثقفين اصلاحيين من كتَاب وأكاديمين وباحثين، وهذه بداية نأمل معها تخريج أجيال أقل تطرفا وتعصُبا وتسلُطا تعي مالها وما عليها وتحترم الإختلاف والمساواة والتعايش.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s