صور من حياة سعودية


كنت في الثالثة عشر من عمري في الولايات المتحدة الأمريكية وقابلت أحد زملاء والدي بالصدفة في بهو الفندق، فألقى السلام، وتلقائيا مددت يدي لمصافحته وأنا أرد عليه السلام. امتنع عن مدّ يده وشاح بنظره ومضى! وعلامات الإستغراب والدهشة تغطي وجهي البريء، نقلت الموقف المحرج لوالدتي، فشهقت وهي تسألني بنبرة توبيخ خفيفة: ألا تعلمين أنه لا تجوز مصافحة الرِجال؟! ازدادت الخطوط التعبيرية على جبيني خطا أو خطَين وأنا أرد: وكيف لي أن أعلم! ثقافة الإمتثال دون استفسار أو فهم أو سؤال كانت تسري في عروقنا مجرى الدم آنذاك فلم أسأل عن الأسباب، وربَما لم تجرؤ أمهاتنا على مشاركتنا التفسير، فهل من المتوقَع أن تقول أم لطفلتها: “إن مصافحة الرجل تثير غرائزه” لتسألها الأخرى: “وماهي غرائزه؟ وكيف تثيرها مجرد مصافحة سلام”! رأيت زميل والدي بعدها مرة أو مرَتين، وكنت لسبب ما أراقبه عن بعد وكأنه مخلوق غريب سيظهر منه ما يثير الغرابة في أي لحظة..

احدى صديقاتي في مرحلة ما استدرجها رجل يكبرها سنَا لتقع في غرامه. هو كان متزوج وله أبناء، وهي لم تكن تعلم ذلك و كان أول رجل في حياتها. لسنوات قال لها أنه يبني حياته ويجمع ماله ليتزوَجها.. كان ييقضي ساعات معها على الهاتف يوميَا قبل أن تنام، وكان يحرص على ان لا يقفل الخط قبل أن يقرأ معها آية الكرسي ويذكرها بها حتى لا تأتيها الكوابيس فتقضُ مضجعها. بقدر حرصه على حمايتها في منامها، إلا أنَه نسي أن يحميها في يقظتها من كوابيس الواقع. لم تتوقَع أن يكون هو “حاميها حراميها”، أكبر كابوس يقضُ حياتها..

صديقتي منذ أكثر من خمسة عشر عاما، تزوَجنا وأنجبنا وافترقنا جغرافيَا. هي تغيَرت وأنا تغيَرت، لكنَنا وجدنا دائما نقاط مشتركة أقلَها صداقتنا وماضينا ليستمر التواصل بيننا ونلتقي كلَما سنحت الفرصة. كان آخر ما كتبته لي في محادثة بيننا أنها ممتنَة لصداقتنا الجميلة التي استمرَت رغم اختلافنا، وكان ردِي عليها بأن ذلك يعود لنضجنا وقوة العلاقة التي تربطنا، وتواعدنا حينها على اللقاء.. ثم تابعتني على تويتر ولم تعجبها تغريداتي، وبين يوم وليلة قرَرت صديقة الخمسة عشر عاما أن تلغي المتابعة وتهمل رسائلي الخاصة وموعدنا..!

صحيفة محليَة يقول مسؤوليها أنهم فخورون بما أكتب ويقفون مع رأيي كليَا ويتمنُون رؤية المجتمع الذي أطالب به، لكن مع ذلك لا يمكنهم نشر كتاباتي إن أرادوا لصحيفتهم الإستمرار. لا ألومهم فهم مأمورون. كل ما أقوله أنه تحت هذه الأوضاع الإستمرار مضمون، فالسُلطة الرابعة ستستمر بتعطير العفن والصحف ستستمر بالصُدور بغير ما في الصُدور والمجتمع سيستمر بالتخلُف المقصود..

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s