علاقتنا بالدم الآري


في المملكة العربية السُعودية يتزوَج الرجال واحدة ومثنى وثلاث ورباع وذلك وفقا لتفسير _لي تحفظات عليه_ لآية التَعدد في سورة النساء والتي يتَضح لي أنها تتضمَن أحكام شرطيَة وتحتمل تأويلات أوسع. ثم يأتي التفسير البديهي لآية “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وعلى ضوء ذلك للرَجل السعودي كذلك أن يتزوج من أي جنسيَة شاء بموافقة من وزارة الداخلية، وهي لا تبدو بتلك الصعوبة نظرا لأعداد السعوديين المتزوجين من أجنبيات. غنيٌ عن القول، أن الأنثى السعودية والمشمولة في الآية ليس لها في القانون نفس نصيب الرجل السُعودي في حريَة الزواج من أجنبي، وسوف أتطرَق الى المفارقات المرتبطة بهذه القوانين في المقال القادم حيث أنني هنا بصدد الحديث عن تحفُظ البعض السعودي أو العربي عموما من الإرتباط بشريك من جنسيَة مختلفة أو حتى منطقة أو قبيلة مختلفتين بعيدا عن سماح القانون من عدمه.

في الوقت الذي يتوقَع أن يكون التَمدُن قد قضى فيه على بعض مظاهر العرف القبلي الغابرة والمتشدِدة، إلا أنَنا نجد الى يومنا هذا وفي مناطق أكثر من أخرى حرصا كبيرا على أن لا يرتبط الرجل إلا بإمرأة من نفس القبيلة أو على الأقل تنتمي لإحدى القبائل التي استقرَت/نشأت في نفس المنطقة الجغرافية تاريخيًا، حتى لو عنى ذلك تأخر قطار الزواج أو فواته. لطالما وصل لأسماعنا من أفواه النُقَاد العصريِيين عبارة تهكميَة تفسِر هذه الظاهرة بالرَغبة في الحفاظ على “الدم الآري” وعدم تلويثه بدماء أخرى، فما هو ياترى “الدم الآري” وهل له صفات استثنائية مميَزة؟ وما نصيب العرب منه..؟!

حسب مصادر متفرِقة، الآريون Aryans تسمية أطلقت في القرن التاسع عشر على مجموعة من الشعوب الناطقة باللغات الهندية – الأوروبية, اعتماداً على وجود قرابة بين تلك اللغات. لقد أدت دراسة اللغات السنسكريتية والإِغريقية واللاتينية والجرمانية والكلتية والفارسية القديمة وسواها إِلى نشأة نظرية الأصل المشترك لهذه اللغات, التي دعاها الألماني ماكس موللر Max Muller أسرة اللغات الآرية. ويعود أصل هذه الكلمة إِلى اللفظة السنسكريتية Arya التي تعني «النبلاء»، كما توجد أيضاً في اللغة الفارسية القديمة بصيغة مماثلة Ariya بمعنى «السادة». وقد افترض أولئك العلماء أنه كان هناك في الأزمنة السالفة لغة واحدة مشتركة دعوها: الآرية, وكانت بمنزلة اللغة الأم التي انبثقت منها سائر اللغات الآرية, وأن القبائل التي تحدثت بها, كانت تقيم في منطقة واحدة انتشرت منها بعد ذلك منذ أوائل الألف الثاني ق.م إِلى مواطن سكناها التاريخية في أوروبا وإِيران وشمالي الهند. وبدراسة المدلولات العامة للملاحم والقصائد البطولية الآرية, التي وصلت من الهند وإِيران واليونان, يمكن تصور حياة أولئك الآريين وهم يتهيؤون لدورهم الجديد حكاماً وسادة على السكان الأصليين, الفلاحين الذين غُلبوا على أمرهم. تنبغي الإِشارة إِلى أن المصطلح اللغوي «الآري» بدأ يكتسب منذ أواسط القرن التاسع عشر مدلولاً عرقياً وسياسياً, يعزى بموجبه إِلى الشعوب الآرية وحدها الفضل في ابتكار المنجزات الحضارية قديماً وحديثاً. فقد ألّف الكونت دي غوبينو الفرنسي De Gobineau مقالة حول عدم تساوي الأعراق البشرية ذهب فيها إِلى أن الجنس الآري أسمى فروع العرق الأبيض، وبين سنة 1851 و 1855 أتمّ غوبنو وضع نظريّته التي تذهب الى أن قيمة الشّخص ومركزه يتوقّفان على مقدار ما في عروقه من الدّم الآريّ، وعدّ التوتون (الجرمان) أنقى عنصر يمثل الآريين. ووجدت هذه الأفكار صدى لها في ألمانيا، وازدهرت مع قيام الحركة النازية, التي صاغت منها منطلقاتها العنصرية القائمة على تفوق الجنس النوردي الشمالي وصفوته المختارة «العنصر الجرماني» الذي ينبغي أن يسود العالم. في فترة حكم هتلر لألمانيا 1934-1945 صدح صوت هذه النظريَة فقد وجد عندها الفرصة لبث معتقداته العنصرية بين الألمان بما يشبه غسيل الأدمغة، وقد قاد حزبه حملة مركزة هدفها إقناع كل الناطقين بالألمانية بتكوين عرق آري متفوق على ما سواه. وكانت خطة هتلر والتي سمَاها ب ” الحل الأخير” أن يخلي بلاده من كل اليهود والغجر والسود والشواذ والمعاقين والمتخلفين عقليا عن طريق تهجيرهم أو اخصاء رجالهم أو تجويعهم أو احراقهم (حسب رواية الهولوكوست).

ذلك زمن ولَى مع من ولَى وجاءنا زمن دحضت فيه الأبحاث الحديثة مثل هذه الادعاءات والمزاعم و النظرية القائلة بوجود أعراق بشرية نقية ومتفوقة يقتصر عليها وحدها الإِبداع وبناء الحضارة الإِنسانية, وبذلك يكون قد أثبت العلم والتاريخ بطلان خرافة الجنس الآري النقي، ربَما بشرى غير سارَة لبعض العرب الذين لا يؤمنون بأن الله خلقنا شعوبا لنتعارف ونتزاوج ونعمر الأرض.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

One Response to علاقتنا بالدم الآري

  1. fadi mansour says:

    مقال جميل … حقاً العرب عندهم غباء جاهلي وعنصرية مقيتة ويجب التخلي عنها كما فعل الألمان مثلاً وهم الأكثر عنصرية سابقاً

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s