ملف قيادة المرأة السعودية


أربعة وعشرون عاما مضت على أول محاولة موثَقة لرفع الحظر عن قيادة المرأة السعودية للسيَارة في عام 1990 والتي خرجت خلالها سبع وأربعون سيدة للقيادة الجماعية في الشوارع الرئيسية للعاصمة الرياض وتعرَضن لعواقب وخيمة جراء جرأتهن في المطالبة بحقهن الذي كفله لهن الشرع ومنعه عنهن النِظام، حيث تم على إثرقيادتهن إيقافهن وأزواجهن وفصلهن من أعمالهن ووالتشهير بهن ومنعهن من السفرلشهور حتى صدر العفو الملكي. وحيث أن القدرة على التنقُل حق رئيسي ولا غنى عنه لأي انسان فقد توالت المحاولات الفرديَة بعدها بين قيادة سيدات ناشطات وكتابة كاتبات وكتَاب ومداخلات أعضاء في مجلس الشورى حتى خرجت حملة 2011 والتي نتج عنها سجن منال الشَريف التي دعت لإعادة فتح هذا الملف والمطالبة بالقيادة لمدة تسعة أيام والتضييق عليها عقب ذلك حتى تركت البلد، بالإضافة لصدور أحكام بجلد قائدتين والتي تم لاحقا إسقاطها بعفو ملكي. لم تثن هذه العوامل المؤسفة السعوديات المناضلات عن السعي خلف الحصول على حريَتهن في التنقل بدون الإعتماد على رجل قريب أو غريب. بدأت بعد ذلك حملة 2013 تحت شعار “القيادة اختيار وليست اجبار” في محاولة لتوضيح نقطة مهمة للمعارضين لقيادة المرأة سواء الدولة أو المجتمع ألا وهي أن رفع الحظر عن قيادة المرأة لن يجبر أي امرأة على القيادة، فبإمكان من ترغب منهن البقاء على حالها في الإتِكال على رجل، ولكن في نفس الوقت لا يحق منع من تحتاج للقيادة بنفسها سواء لإنشغال الرجل أو عدم توفره أوغلاء استئجار قائد فيما تستطيع توفير أجره لنفسها وعائلتها. خلال هذه الحملة خرجت أكثر من خمسين سيدة سعودية وقدن سياراتهن في مختلف مناطق المملكة ووثَقن تجاربهن بالتَصوير.وفي ظل عدم وجود قانون رسمي ضمن نظام المرور السعودي يمنع قيادة المرأة، صدر بيان من وزارة الداخليَة السعوديَة يمنع التجمع والتظاهر بحجة حملات قيادة المرأة ويؤكد على أن حظر قيادة المرأة مفعوله سار. تفاوتت ردود فعل رجال المرور مع كل إيقاف لإمرأة تقود بين كتابة تعهد أو إيقاف لساعات من اليوم أو سحب سيارة لأيام أو شهور أو في حالة منفردة لمدة سنة..! هذه الحملة استمرَت حتى يومنا هذا ولم تترك طريقة رسميَة أو غير رسميَة للمطالبة بحق القيادة إلا وأتتها، فبين الخروج للقيادة فعليا على الشوارع كانت هناك البيانات التي تجمع تواقيع المؤيدين لقياس القبول الإجتماعي والتي لا تلبث أن يتم وضعها حتى يتم حجبها، ثم هناك الخطابات والعرائض والبرقيات والزيارات واستمارات طلب رخص القيادة التي وجِهت للمرور ووزارة الداخلية  والأمارات والمحافظات ومجلس الشورى وصولا للديوان الملكي بلا رد أو تفاعل يذكر. وبذلك تدحض هذه الوسائل المتَبعة بإختلافها دعوى من يعترض على الخروج للقيادة بوصفها تحدِي للسُلطات ويدوعوا لإستخدام الوسائل الرَسمية والنظامية المتاحة، فالخروج للقيادة كان وما زال على ما يبدو الوسيلة الوحيدة التي تضمن لفت نظر النظام للقضيَة والحصول على رد فعل منه. ولذلك استمرَت محاولات السُعوديَات المهتمَات بهذا الشأن في إيجاد شتَى الوسائل لمعالجة القضيَة حتى خرجت لجين الهذلول _سعوديَة مستقرَة في الإمارات حاليا_ من الحدود الإماراتية بإتجاه الحدود السُعودية في الأول من ديسمبروهي تقود سيَارتها برخصة إماراتية صالحة للإستخدام في جميع دول مجلس التعاون الخليجي بلا تمييز بين ذكر وأنثى. لجين لم تخالف أي نظام إماراتي أو بيان سعودي حيث أنَها لم تتجاوز الحدود أو تقود داخل المملكة ومع ذلك تمت مصادرة جوازسفرها واحتجازها في منفذ الحدود يوما كاملا، وعندما اتَجهت إليها صديقتها ميساء العامودي من الإمارات لتطمئن عليها فحسب وتناولها بعض المستلزمات الشَخصيَة من غطاء يقيها البرد وفرشاة أسنان وطعام، تمَت كذلك مصادرة جوازها هي الأخرى واحتجازها رغم أنَها لم ترد حتى دخول المملكة وإنَما فقط الإطمئنان والعودة. مضى يومان على احتجازهما قبل مصادرة أجهزتهما النقَالة ونقلهما لدار الفتيات بالنَسبة للجين والسِجن بالنِسبة لميساء بدون تفاصيل أو تهم موجَهة أو حتى تواصل مع ذويهن.

هناك من يؤمن بأن لجين تستحق الحبس لأنها خالفت النِظام، والغريب في هذا أنَها لم تخالف أي نظام فهي مواطنة على الحدود والمفترض في حالة كهذه إما يسمحوا لها بالمرور بموجب رخصتها الإماراتية المعترف بها في المملكة، أو أن يسمحوا لها بأن تدخل بدون أن تقود سيارتها، أو في أسوأ الأحوال أن يردُوها من حيث أتت! أما ميساء فجريمتها على ما يبدو هي مجرَد السؤال عن لجين، أيعقل أن تستحق الحبس؟ إن وضعنا حس الوصاية وأحقادنا على من يختلف عنَا جانبا، هل فعلا ما فعلتاه السيدتان المثقفتان الواعيتان يستوجب الحبس وهل حبسهما نظامي بحد ذاته..؟ قبل الإجابة أتمنَى قراءة الجزء الأول من السؤال مرة أخرى.

هناك من يعتقد كذلك بأن المطالبات من شأنها أن تؤخر صدور القرار، وإن افترضنا صحَة ذلك فأين القرار بين عام 1990 وعام 2011، ثم أين هو بين 2011 و 2013؟ لماذا لم يصدر حين خفتت المطالبات؟

أما الذين يعتقدون بأن قيادة المرأة ليست أولوية وهناك أولويات أهم يجدر المطالبة بها، فهم على حق. إنَما هي أولويَة في حياة المطالبات بها، وللأخريات أن يطالبن بما يجدونه أولوية في حياتهن وما ينغَص صفو أيامهن بدون أن يقلِلن من شأن أولويَات الغير.

من حيث أراه بات هذا الملف على تفاهته يزداد حجما ولا يقل بإمتناع النِظام عن فتحه وعلاجه والمطالبات بطبيعة الحال لن يهدأن لأن حاجتهن للتنقل لا تهدأ. قيادة المرأة قادمة لا محالة والأفضل أن تأتي قبل تأزم الأمور بشكل أكبر

تحديث: تم الإفراج عن ميساء العامودي ولجين الهذلول بعد سبعين يوما من السجن دون تهم موجهة.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s