هلاَ فتحتم أبوابكم


كان آخر ما قاله لي مدير الإدارة الجديد قبل أن ينتهي حوارنا حول المسؤوليات والمهام في أول اجتماع بيني وبينه بعد تعيينه: “أنا أتَبع هنا سياسة الباب المفتوح، ستجدين بابي دائما مفتوح _حرفيَا_ لن يمنعك أحد من الدخول للإستفسار عن ما لم تجدي إجابته أو الشَكوى على ما من شأنه أن يعيق آداءك لمهامك الوظيفيَة على أتم وجه، بعدها لا عذر لك”. كان أجنبيّ في خمسيناته وقالها بالإنجليزيةOpen Door Policy  وربَما لذلك السبب_كونه أجنبي_ لم أكن قد سمعت بهذه السِياسة قبل تلك اللحظة، أو ربَما لأنها تطبَق بندرة إن كانت تطبَق من الأساس في المملكة. في تلك اللحظة شعرت بثقل المسؤولية التي لم أكن أشعر بها في عملي الحكومي، فلا عذر هنا ولا تهاون، ولكن لم يكن ذلك الشُعور ليعكِر صفو وجمال فكرة الأبواب المفتوحة المطمئنة.

كان أول ظهور لمفهوم الباب المفتوح في مجال الإقتصاد والتبادل التجاري العالمي، وكانت أول من طبَقته هي الصِين عندما فتحت أبوابها للتبادل التجاري العالمي ورحَبت بالإستثمارات الخارجيَة سعيا منها لتنمية اقتصادها والنهوض بوضعها المادِي، وقد حقَقت نقلة نوعيَة بتبنِيها لهذه السِياسة وقفزت خلال ثلاث عقود من الزمن فقط لتصبح الدولة الأكبر عالميَا في حجم صادراتها حتى جرى تسميتها بمصنع العالم The World’s Factory.

في وقت لاحق تم استخدام مفهوم الباب المفتوح في عالم الأعمال والشَركات بحيث يترك المدراء والتَنفيذيين أبواب مكاتبهم مفتوحة أمام الموظَفين بقصد خلق جوّ من الإنفتاح والشَفافية ولتحفيز التَواصل. أدَت قلة أو انعدام الحواجز بين طبقات الموظفين الى فرض احترامهم لبعضهم البعض بمختلف مستوياتهم، وتحسُبهم لأي تقصير أو تعدِي يمكن أن يصل بكل سهولة للإدارة العليا بدون بروتوكولات أو مواعيد، ما رفع تلقائيَا مستويات النَزاهة والآداء. وكما هو متوقَع من أي سياسة إداريَة تثبت نجاحها فقد انتشرت سياسة الباب المفتوح بين الشَركات العالمية الرَائدة وتبعتها الشَركات النَامية سعيا منها لتحقيق نفس النَجاحات. وبإستقطاب القطاع الخاص في المملكة للكفاءات الإداريَة الخارجية، حضروا وأحضروا معهم سياساتهم الفعَالة.

ومع ذلك توقَف انتشار سياسة الباب المفتوح عند حدّ القطاع الخاص وتحديدا الجزء منه الذي تديره أيد أجنبيَة في الوقت الذي ظلَت أبواب القطاع الحكومي جميعها مقفلة بما فيها أبواب كبار مسؤولي الدَولة. وعلى عكس سياسة الباب المفتوح فقد خلقت سياسة الباب المغلق بيئة مخذولة وبالتالي متخاذلة. في محيط هذه البيئة لا يعلم الرئيس إلا ما ينقله له المرؤوس ولا يعلم المرؤوس إلا ما ينقله له من تحته مباشرة وهكذا في تسلسل متقطِع متعثِر يصعب ربط مخرجاته. وفي حال كانت حلقة واحدة من حلقات هذه المؤسسَة فاسدة مهترئة تصاب كل الحلقات دونها بالإحباط والتآكل بينما الحلقة الأم لا تنفك تسمع “حنَا بخير”. هذا الوضع هو أشبه بسوس النخل الذي يظل ينخر في باطن النخل لمدد طويلة دون أن يظهر على ظاهرها خلل يعتريها ثم ما تلبث أن تسقط دونما توقُع أو سابق انذار.

لا شك بأن ظاهرة الأبواب المغلقة هي ظاهرة غير صحيَة ولم تثبت نجاحا طويل المدى أينما حلَت، لكنَها وبصورة جليَة لا يمكن نكرانها أثبتت فشلها عندما تم تطبيقها على مستوى دولة، والشَواهد حولنا كثر. فبعض الموظَفين البسطاء لا ينظر في مظالمهم من قبل رؤسائهم المباشرين وباب الوزير مغلق، كما أن بعض الوزراء لا تسمع كلمتهم من أمير وباب الملك مغلق، وكم من مظلمة ومظلوم يستنجد ولا أمل في أن يسمع..! كم يحزنني أن يتحدَث الشَعب عن الفساد ثم يختمون بأن الملك لا يعلم! كم هو محبط أن يشعر المظلوم بأن مصيره في يد ظالمه ولا يسمع صرخاته أحد سواه. أتمنَى أن تفتح الأبواب المغلقة ليستعيد المخذولين ثقتهم في المسؤولين وفي الوطن، وأتمنَى صادقة أن لا يترك السُوس في عبثه حتى تسقط النَخلة_لا قدَر الله_ فهلاَ فتحتم أبوابكم لنا..؟

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s