هيئة المساج الشَرعي


ممَا يتوقَع منَا كأفراد من الشَعب السُعودي، أن نرضخ عميانيَا لأفراد آخرون لا نعلم عن علمهم ولا عملهم ولا خلقهم ولا دينهم ولا حاضرهم أو ماضيهم شيئا سوى أنهم يطلقون اللحى ويقصِرون الثياب وينتسبون لجهاز حكومي يدعى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يتوقَع القاريء تلقائيَا عند هذه النُقطة أنه لابدَ لهذا الإنتساب أن يكون من الصُعوبة بمكان حتى ينال أحدهم هذه الميزة التِي تخوِله لأن يكون وصيَا على باقي أفراد الشَعب وحارسا لبوَابة سجن اختياراتهم. الجواب: لا.. والأدلة كثر.

هذا الذي يصول ويجول وينهر ويزجر ويضرب كفَيه ببعضهما محتسبا ومتحسِبا لتأخرالبعض بالبيع عن الصلاة، تنشغل كفَيه ليلا بفنون المساج للجنس النَاعم كوسيلة رقية شرعية. وذلك الآخر الذي يلاحق الشَباب في الأسواق لدخولهم بدون عوائل وما إن يطردهم حتى ينتقل لملاحقة عوئل تضع فتياتهم المناكير وهو يزبد ويرعد ويهدد ويتوعد بسبَابته، تنشغل سبَابته ليلا بإرسال رسائل ابتزاز لفتاة حتى تمكنه من نفسها. وأمثلة لا حصر لها حصرت بعضها في مقال سابق، تجعل من الهيئة جهاز يضع في أجندته مراقبة النَاس وتتبُع عوراتهم والتَجسُس على خفايا أمورهم وينسي مراقبة أعضاءه..!

لا يكاد يمضي اسبوع بدون أن تنكشف فيه عورة من عورات هذا الجهاز حتى غدا شبه عار. ومع كل سقطة يصدر بيانا رسميَا لتذكيرنا بأنه خطأ فردي لا يصح التَعميم على الجهاز بموجبه، وأن المخطيء لن يفلت من الحساب ولا العقاب، ولا أعتقد أنني وحدي عندما أقول بأننا مللنا الأخطاء الفرديَة والبيانات الرَسمية والتبريرات المجتمعية.. وهل يلام من يسمع جعجعة ولا يرى طحنا..! أولو كان هنالك طحنا لاستمر أعضاء الهيئة في طحنهم للدين وللناس؟!

ليفهم من يريد أن يفهم بأن هذا ليس تحامل ولا استعداء، لا والله بل هو استنجاد بمن يعقل ويعدل من الوصاية الضَالة. فوالله لم تفح رائحة فساد جهاز حكومي مثل هذا الجهاز، بالرغم من أن هيئة مكافحة الفساد لا تقترب منه ولا أحد يبحث عن زلاَته، ولا حاجة لنا بذلك، فهي من فداحتها وشدَة تناقضها مع فحوى عمل الجهاز تضج بها الأركان وتصل للقاصي قبل الداني. نعم الأخطاء الفردية واردة في جميع الأجهزة، لكن عندما يخطيء ستة من أصل عشرة _وهذه نسبة فيها الكثير من المجاملة_ يصبح الخطأ جماعي لا فردي ويستوجب إطلاق صافرة إنذار مع إخلاء للمبنى وإجراء فحص شامل علاجي وآخر وقائي.

بهذه الصُورة المشوَهة لأعضاء هذا الجهاز في الأذهان، يصبح من غير المعقول ولا المستساغ أن يطلب من الناس تقبُل وصايتهم والإعتراف بسلطتهم والإمتثال لأمرهم، خاصَة وإن أخذنا بعين الإعتبار اسلوب معظمهم المتغطرس الذي يعزِزه سلطة حدودها السَماء وحصانة من أي عقوبة تتجاوز النقل التأديبي.

أتعلمون ما الأكثر ازعاجا من هذه التجاوزات الأخلاقية من حماة الأخلاق والفضيلة؟ ضحاياهم الذين غسلت أدمغتهم منابر المشيخة، فصدَقوا بأن كل من قصَر ثوبه وأعفى لحيته أصبح خيِرا، وأن كل من ادَعى أنه يأمر بالمعروف يأتيه، وكل من نهى عن المنكر يتجنَبه. لكن أن يصل الحال بمريضة لأن تسمح لراق شرعي أن يلمس جسدها بل يتفنَن بمساج شرعي فلعلَ الخلل في عقلها، وأن يصل الحال بعضو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن يرقي بالمساج الشَرعي فالخلل هنا فيمن يؤدِبه.

لطالما كان اسقاط الحصانة غير الرَسميَة كما الرَسميَة عن أعضاء الهيئة الميدانيين مطلبا تأديبيَا غاية في الأهميَة. والأهم منه اتِخاذ تدابير علاجيَة مثل التَدقيق في الإختيار والتَعيين وتحديد الصَلاحيَات وإعطاء الشرطة المرافقة  صلاحيَة التَدخُل في حال تجاوز العضو صلاحيَاته. يأتي في نفس السِياق وجوب تقنين القضاء الذِي قد يتعاطف ويتساهل مع أعضاء الهيئة بإفتراض أنَهم من أهل الصَلاح، فالعين بالعين والسِن بالسِن ولايؤخذ الناس بمظاهرهم.

إن تغيير تقبُل المجتمع لأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنَهي عن المنكر أمر مناط برئاستها ثمَ بالدَولة. ولو شعر النَاس بصدق صلاحهم وحسن تعاملهم وعدالة محاسبتهم لما نفروا منهم.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s