قبل أن تُزهق روح أي طفل آخر


طفلة تُغتصب في باص مدرسي في وضح النَّهار، وطفل يُنسى في باص آخر نصف يوم ليموت، وطفل يتشارك والده و زوجته في تعنيفه فيقتلاه، وطفلة يغتصبها والدها ويكويها ويعنفها فيقتلها، وطفلة أخرى ينتزع والدها حضانتها من أمها بعد أن تمت السبع سنوات فقط ليُعنِّفها ويقتلها بالضربة القاضية على الرأس بعد احتضانها بأشهر قلائل، وأطفال يصعب حصرهم يتساقطون في حفر الموت المميتة فتحصد أرواحهم غرقاً في النجاسة، وكأن الغرق بحد ذاته ليس أبشع وأبطأ طريقة للموت.. وكأن معاناة الحرمان من الأم لا تكفي.. وكأن الأطفال ليسوا أحبابنا وأحباب الرّحمن. هذه أخبار أطفالنا ،فقط التي وصلت للإعلام منها، خلال عام واحد ودّعناه البارحة بقِصَّتين منها في آخر أيامه، و الله عليم بما لم يصل. ثم ينتظر الناس منِّي تهنئة بالعام الجديد في ذات اليوم، ماذ عساي أن أقول؟ “كل عام وأنتم بخير”! وكأن العام مر بكل خير، وكأنَّنِي أتمنَّى أن يتكرَّر هذا العام كل عام. لن أذكر حرب اليمن وضحاياها، ولن أذكر داعش وضحاياها من شبابنا وأطفالنا، ولا ضحايا المساجد ولا ضحايا رافعة الحرم أو مشعر مِنى ولا حتى ضحِيّة سعد، هل نسيت شيئاً؟ لا يهم.. ذلك ليس لأن المقال لا يتَّسِع أو صدر الإعلام لا يتَّسِع فحسب، لكنّ قلبي كذلك لم يعُد يتَّسِع. سأكتفي بالأطفال، فذكراهم لا تفارق رأسي و قصصهم تقضّ مضجعي، وأتساءل كل يوم كيف لهذه القصص أن لا تقضّ مضجع كل مسؤول مُنِح شرف حمايتهم فأضاع ذلك الشّرف، أليسوا آباء؟ ألسن أُمّهات؟ ألا يقرأون الخبر كما أقرؤه فأتخيَّل رغما عنِّي مع كل خبر أنّ ذلك الطِّفل المغدور كان يمكن أن يكون أحد أولادي _حماهم الله من كل سوء_ فيتوقّف قلبي للحظة وأبكيهم وأمهاتهم وكل من يعشقهم ولا يرى النُّور إلا بهم، أبكيهم لأيام، وأغضب عمراً ممّن أساء لهم ومن كان بيده ولم يحميهم من الشّقاء. نعم هناك وفيّات لم تكن بالحسبان وهي خارجة عن إرادتنا، لكن بإرادتنا تغطية الحفر، وسنّ قانون حماية لا يسمح بالترُّع بالإسراف في التأديب لمن يقتل أولاده، والصّرامة مع من إئتمنهم الآباء على أطفالهم في التّعليم أو الصِّحة.

 إنّ خسارة أي طفل مهما كان سبب الوفاة هي مؤلمة أكثر من أي خسارة أخرى، لكن أن يجتمع هذا الألم الجسيم مع طريقة وفاة بطيئة ومؤلمة وفكرة أن وفاته كانت نتيجة عنف أو إهمال كان يمكن تفاديهما، ثمَّ أن يدفع طفل وراء طفل حياتهم ثمناً للاشيء بحيث يستمر العنف ويستمر الإهمال ويستمر الأطفال في التساقط لنفس الأسباب، فكل ذلك ألمه فوق الإحتمال الآدمي. لله ما أعطى ولله ما أخذ, ولي أن أدعوا الله بأن يأخذ روح كل مقصِّر مستهتر بشقاء الأطفال وأرواحهم قبل روح أي طفل آخر.

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s