هل تملك ما يكفي من النُّضج لتفهم؟


إن عدم قدرة الناس على التّفكير المستقل وإتِّخاذ القرارات لأنفسهم لا ترتبط بعدم قدرتهم على الفهم وإنّما بإنعدام الشّجاعة التّي يتطلبُّها الإستقلال الفكري. كان ذلك مما استنتجه  الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت عام 1784 في مقالته الشّهيرة  What is Enlightment?التي عرَّف فيها التَّنوير والعوامل اللازم توفُّرها ليتحقَّق. حسب كانت التَّنوير هو تحرُّر الفرد من القيود الذّاتيَّة التي يستبّب بها عدم النُّضج، حيث يرى بأن حالة انعدام النضج يفرضها الفرد على نفسه ليس لأنه ليست لديه قدرة على إعمال عقله, ولكن لأنه كسول و يفتقر الى الجرأة ليُحكِّم عقله ومنطقه وحكمته بدون توجيه فرد آخر. أما شعار للتّنوير فهو “تجرأ على تحكيم عقلك”!

فيما أشار اليه أن الأغلبية السّاحقة من النوع الإنساني تميل الى عدم النُّضج “الإختياري” لأنّه الخيار الأسهل، فلماذا أحاول أن أفكِّر في الوقت الذي يوجد به كتاب بمعلومات جاهزة و مفصّلة، و طبيب يضع لي برنامجي الغذائي، و رجل دين يفتي لي. لمَ أتكبّد عناء البحث و التفكير وهناك إجابات معلَّبة وجاهزة؟ وبعد ان اعتاد “غير النّاضجين” على نمط الحياة إيّاه يكون أخذ خطوة ولو واحدة في طريق النُّضج والإستقلال الفكري ليس فقط بغاية الصُّعوبة بل في غاية الخطر كذلك، لأنّه حينها يقلق المتبوع والمُوَجِّه من مجرّد احتماليّة فقدان سيطرته التّي اعتادها بدوره واستقى منها مصدر قوّته ورمزيَّته، وربّما يخشى كذلك أن ينقلبوا بأفكاهم ضدّه، هنا ولكي يتصدّى لمحاولات التّابعين لأخذ تلك الخطوة المستقلّة، يعتمد إخافتهم من بعبع الإستقلال ومن المخاطر التّي سوف يواجهونها حتماً في حال حاولوا المشي بدون عُكّازه.

يعتقد كانت أنه ليتحقَّق التَّنوير لأي مجتمع لابد من وجود عوامل أساسيّة مثل حرّية التعبير وحرية المعتقد و أن يأخذ التّنوير وقته، فيما يجب أن يتكفّل به المتنوّرين من المجتمع تدريجيّا حتى وإن غابت تلك العوامل ولو بصِفتِهم غير الرّسميّة، فيحثُّون الأفراد على الإستقلال الفكري المتجرِّد من التّبعيَّة في شتّى التّوجُّهات ليفهموا بأنفسهم ويفكروا بعقولهم ويختاروا بإرادتهم. وأمّا الثورات بغرض التّنوير لا ينتج عنها سوى تبعيّة لمتبوع جديد، لأن المجتمع ببساطة غير مستعد للإستقلال بين ليلة وضحاها بل يهابه ويهاب المسؤولية التّي تأتي معه. من غير المعقول ولا المقبول أن يحكم جيل على جيل بعده بشلل فكري بحيث يفرض عليه موقفه وعلومه واختياراته، بل هو منهج غير إنساني لا يُتوقَّع أن ينتج عنه سوى جيل حيواني..

alyamit@gmail.com

@tamadoralyami

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s