بين حب الوطن والإساءة له شعرة


منذ حادثة تدافع الحجاج في مشعر منى المأساوية وما نتج عنها من خسائر في الأرواح، و رسائل التكهنات بالأسباب في انتشار، وليتها كانت تكهنات. أخذت الرسائل طابع الحقيقة والخبر وتم تداولها على نطاق واسع بإختلاف قصصها وتشابه مغزاها والذي كان المحاولة اليائسة للذود عن الوطن حتى لو كان بالكذب والإفتراء واختلاق الأحداث والبعد تماما عن خلق الإسلام وخلق من لم يلبثوا أن أتموا فريضة الحج الذين يتوقع أن يكونوا في أشد حالات إيمانهم وقربهم من الله. من هذه القصص المبتكرة ما وصلني بعنوان رسالة للملك سلمان من محب للمملكة موقعة بإسم المستشار السابق لوزير الصحة والإسكان في جمهورية مصر العربية، والتي يدعي فيها أنه قام بزيارة  جميع المستشفيات والمراكز الصحية في مكة وجدة بحثا عن قريبه الذي فقد في الحادثة في أقل من يوم وأنه من خلال رحلة البحث هذه عاين عشرات الضحايا، و أخيرا توصل الى ان الحادثة كانت بفعل فاعل. وطبعا كما هو طبع العرب العاطفي، انساق أغلب الناس لأكاذيبه وأعادوا نشر الرسالة لمجموعاتهم حتى أضحت رسالته خبرا موثقا!

ذلك مع أن الرسالة على بساطة لغتها لو قرأها كائن من كان بوعي وحذر لاستوقفته مواضع عديدة بديهية أذكر منها:

1. عندما يقول انه مر على جميع المستشفيات والمراكز في مكة وجدة بدون استثناء هل يعني ذلك أنه لم يجد قريبه إلا في آخر مستشفى أو مركز؟!
2. تعميمه على جميع المراكز الصحية والمستشفيات بمبانيها بأنها على مستوى رفيع لا يقبله العقل، وجميعنا نعلم المستوى المتواضع إن صح التعبير لمراكنا الصحية ومعظم المستشفيات الحكومية حتى وإن كان بعضها أفضل من بعض.
3. يقول أنه شاهد بنفسه عشرات المرضى فاقدين للذاكرة وبدون خدوش او رضوض، هل تحدث مع عشرات المرضى ولماذا؟ وهل عاينهم ليجزم انهم خالين من الخدوش والرضوض، وبأي صفة يسمح له بمعاينتهم؟
4. المستشفيات لا تسمح لكل من يطلب أن يعاين الموتى في الثلاجات، وإن كان له فقيد فيجب أن يصف للإدارة فئته العمرية ومواصفاتة حتى يسمحوا له بمعاينة وجوه الموتى فقط من نفس الفئة العمرية أو المواصفات  (فقط الوجوه) ليتعرف على فقيده. ذلك يعني أنه يستحيل له رؤية اجسادهم ومعرفة ما ان كانت لديهم اصابات او لا!
5. مر على كافة المستشفيات والمراكز الصحية في مدينتين وعاين عشرات المرضى وعشرات الموتى، كل ذلك في غضون 14 ساعة حسب وصفه!
6. يشك انه تم تفجير قنبلة بغاز يذهب الذاكرة! أو ان افارقة ضخام سببوا الحادثة أو مجموعة ايرانيين.. وكأنه يريد منا نحن كقراء أن نختار أحد هذه المؤامرات؟ واذا كانوا الأفارقة أو الإيرانيين هم السبب فما تفسير فقدان الذاكرة الذي بنى عليه شهادته من أولها لآخرها!
7. مما ذكرت اعلاه يتضح لي والله اعلم ان الكاتب إن كان فعلا من يدعي أنه هو، فهو مستميت ليخترع مسبب للتدافع يتفق مع نظرية المؤامرة لدرجة انه يذكر شواهد عديدة لا علاقة لها ببعضها. لا أدري إن كان كتبها طمعا في مال أو جاه أو شهرة أو ماذا بالضبط؟!
8. وبالنهاية أود أن  أذكر أنني أتفهم تماما ان ما حدث لم يكن في صالح المملكة، وأن الدولة تمر بمرحلة حرجة على الصعيد السياسي، وأتفهم رغبة ابناء الوطن والمسلمين وربما العرب في الدفاع عن المملكة ومحاولة الرد على حملة الإساءة التي يشنها العدو السياسي إيران. لكن مع ذلك فإن رسائل الأكاذيب والقصص المخترعة ليست الطريقة الأمثل للذود عن الوطن وإنما تظهرنا بمظهر الكاذب والساذج والضعيف واليائس، وأعتقد أنها مسؤوليتنا جميعا أن نطالب بالتحقيق الفعلي وعلينا متابعة نتائجه وتحري مصداقيتها لمعرفة المسببات الحقيقية، فإن ثبت أنها بفعل فاعل فلنكن على يقين بأن الدولة لن تتهاون في ذلك وربما تقاضي الدولة المتسببة أمام المحكمة الدولية إن سمح الحال، وأما إن كانت نتيجة لتقصير مسؤولين، فالمطالبة بمحاسبتهم حسابا شديدا بلا هوادة ولا رحمة لتهاونهم بأرواح الحجاج وسمعة الوطن ولضمان عدم تكرار الحادثة مستقبلا، فنحن ما زلنا نريد أن نحج بأمان وأبناؤنا وأحفادنا كذلك ولن نحصل على ذلك بالتغطية على المقصرين.

وأخيرا رحم الله الضحايا وجبر قلوب ذويهم وألهمنا الحكمة والتأني.

@tamadoralyami

alyamit@gmail.com

 

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s