جاستا الإستنزاف


في علم الحروب هناك ما يُعرف بسياسة الإستنزاف التي لا تعدوا كونها استراتيجية حربية يعمد خلالها أحد أطراف الحرب بإضعاف الخصم عن طريق إستنزاف قوته العددية أو السّلاحية أو الصِّحية والغذائية وصولا لنقطة الإنهيار. حينها تكسب الحرب الجهة ذات الموارد الأكبر بأقل جهد. وفيما يتواجد عنصر الإستنزاف بنسب مختلفة في جميع أنواع الحروب وما تُخلِّفه من خسائر في الموارد والأرواح، إلا أنه لا يمكن القول بأن أحد الخصوم إعتمد استراتيجية الإستنزاف عدا في حال كان الهدف الأول والأخير من تلك الحرب استنزاف العدو تدريجيا حتى يسقط عوضا عن الإحتلال السريع لمساحة جغرافية أو توجيه ضربة مفاجئة.

وبالعودة الى التاريخ نجد أنه قد درج اللجوء لعنصر الإستنزاف كحل أخير في حال فشل تكتيكات الحرب الأخرى المعروفة بإستخدام عناصر مثل المحادثات و المباغتة وقوة السلاح. حينها يكون الطرف المهاجم _المتفوق في العدد والعدة بديهيَّاً_ لم يتبقى لديه سوى الحد الأدنى من الموارد التي يتحتم عليه الحفاظ عليها إن كان يطمع بأي نصر فليتزم الحذر والخديعة بينما يهدر العدو موارده حتى يضعف ويصبح من السهولة تفكيكه واختراقه وإسقاطه، هذا في حال لم يعلن إستسلامه ويقدم النصر للمُسْتِنزِف على آخر طبق من فضة يملكه.

وبالحديث عن استراتيجية الإستزاف نظريّاً و تاريخياً أود الوصول الى حاضر العلاقات الدولية وتحديدا العلاقة بين الشرق والغرب والتي أخذت منحى منحدر أو أكثر إنحداراً _إن صح القول_ منذ ما يسمّيه الغرب ب”الربيع العربي” وما يسمِّيه الشرق ب”الربيع العِبري” أو “الخريف العربي” لا تشكيكاً في شرعيَّته وإنَّما كان دخول أمريكا على الخط مع إنقسام العرب كفيلاً بِقلب عاليه واطي!

بدأت أمريكا بدخول العراق تحت ذريعة انتهاك العراق للقانون الدولي الذي تضعه أمريكا بنفسها و تنتهكه وتُحاكِم غيرها به ولكن أمريكا تبقى أمريكا وهل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون! ومن الواضح أن أمريكا كانت قد بيَّتت النيَّة لإجترار تجربة العراق على العالم العربي بمجمله، لكن شاء حظها أن تُصبِح لتجد أن تونس قد انتفضت وانفرط عقد اللؤلؤ العربي الأصيل لتنتفض ليبيا فمصر فسوريا فلبنان فاليمن وكأن العالم العربي ابتسم لأمريكا ذلك الصباح الطويل وحيّاها ب”صباح الخير يا مدلل”. فكان في مصائب أقوام فوائد قوم، ووجدت أمريكا في إستبداد الحكام وعصُّب العربان وانقسامهم أفضل ثغرة تدخل منها بقناعها الديمقراطي ذو الإبتسامة الصفراء. دخلت أمريكا وتحالفت مع سذاجة العرب ضد العرب وشعارها “اضربوا في بعض ونحن ندعمكم” وصدى الشعار “حتى نفنيكم” ولكن مين يسمعك يا صدى. ثم جاء دور الشقيقة الكبرى والتي هي ممسك العِقد، لكن تبقى لأمريكا معها مصالح اقتصادية بعد أن تمكَّنت من الإستراتيجية، وهنا وجدت أمريكا لنفسها بديلا نفطيَّا _مع ضمان استمرار اعتماد الشقيقة الكبرى على السلاح الأمريكي بإحاطتها بالإضطرابات_ فرفعت العقوبات الإقتصادية عن إيران وتصالحت معها وزعمت أن هناك إتفاق مُتقن وأن إيران ستحترمه! وهبطت أسعار النفط تباعاً فقد زادت مصادره ورفضت إيران تجميده بهدف رفع سعره لأنها مستفيدة من دخله _ولو قل_ ومن خسارة السعودية من ناحية أخرى. إلى هنا هل تتبعتهم ملامح استراتيجية الإستنزاف ابتداء بتمويل الميليشيات وإدراج الخليج في تحالفات عسكرية لإستنزافهم عدديا وماديا وإبادة باقي العرب بهم _عصفورين بحجر واحد_، ومرورا بالصلح مع إيران والإستغناء عن النفط السعودي، وانتهاءا بقانون جاستا المفتعل والذي خرج لنا فجأة بعد أن أصبحت حادثة الحادي عشر من سبتمبر نسيا منسيا لإستنزاف ما تبقّى من قوانا والوصول لبداية هذا المقال. فهل فات الأوان ليكون لنا في التاريخ عِبَر.

 

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s