درء المفسدة في زواج الصغيرات


(درء المفسدة مقدَم على جلب المصلحة) هي القاعدة الفقهية الأم في بلاد الحرمين، والتي يستند إليها في أغلب الفتاوى المتعلقة بأمور الإختلاف والإجتهاد. و لسبب مَا، فقد درج استخدام هذه القاعدة لدرء مصالح المرأة فحسب لما قد تؤدي إليه من مفسدة الرجل. فمثلا، بين الماضي والحاضر منعت المرأة من التعليم درءا للمفسدة، ومنعت من العمل درءا للمفسدة، منعت من التَمثيل السياسي والقضائي والإفتائي ومن القيادة ومن السَفر لنفس (الإحتماليَة). في حين أن الرَجل لم يمنع من التَدخين _على سبيل المثال_ درءا لمفسدته الصحِيه عليه وعلى الآخرين، ولم يمنع من التعدُد في الزَواج درءا لمفسدة تفكُك الأسرة وضياع الأبناء، لم يمنع من السَفر للخارج وحيدا درءا لمفسدة إثارة الغريزة الجنسيَة، ولم يمنع من الزَواج بطفلة درءا لمفاسد لا حصر لها، وسأستخدم مصطلح “الصَغيرات” في هذا السِياق عوضا عن “القاصرات” لتفادي الإشتباه حيث أن المرأة السعودية تعتبر نظاميَا قاصر منذ ولادتها وحتى وفاتها. نعلم أن هناك قاعدة أخرى تقضي بأن لا يحرَم الحلال لدرء مفسدة، لكن ما لا نعلمه هو لماذا تغيب هذه القاعدة في قضايا المرأة تحديدا بينما تحضر في قضايا الرَجل.

إن سلَمنا بأن عمر السَيدة عائشة كان فعلا دون الثامنة عشر حين دخل بها الرَسول عليه الصَلاة والسَلام مع اختلاف المؤرخين في ذلك، وهو ما يستند إليه إجازة زواج الصَغيرات، فإنه لا يستساغ أن نسلِم بالتَغاضي عن العواقب المؤلمة التِي تنتج من هذا الزَواج في يومنا هذا. وقد استشعرت وزارة العدل أخيرا هذه العواقب متمثِلة في القضايا المرتبطة التِي تصل للمحاكم، عندما رفعت منذ عامين بمقترح مشروع شامل يتضمَن الرؤية الشَرعية والنِظاميَة لهذا النَوع من الزَواج بالإضافة الى الأضرار الصحِية والنَفسية والإجتماعيَة، حيث طالبت الوزارة من خلاله بإصدار فتوى تقنِن زواج الصَغيرات مراعاة للمصلحة العامَة. يجدر الذِكر أن “التَقنين” مصطلح مرن للغاية في حين كان يجدر التَوصية بالمنع الكلِي، خاصَة وقد شهد العام الماضي حالات كحادثة فتاة جيزان الشَهيرة، والتي رفض فيها القاضي _الذِي يوصى أن يكون بيده التَقنين_ بأن يبطل زواجها برجل يكبرها بخمسين عاما بعد أن هربت منه صباح اليوم التَالي للزَواج. وبالرَغم من مرونة توصيات وزارة العدل، إلا أن مفتي عام المملكة أكَد مؤخرا في تصريحات صحفيَة بأنه لا توجد نيَة في بحث الموضوع. و قد تلى ذلك التَصريح إعلان رئيس هيئة حقوق الإنسان بالسعودية أن الهيئة، والتي تتعامل مباشرة مع ضحايا هذا الزواج، هي بصدد التَنسيق مع الجهات المختصَة لتحديد السِن المناسب للزواج واصفا تزويج الصَغيرات بالبيع من أجل المال. وهذا الوصف له نصيبه من الحقيقة على أنه لا يلغي أسباب أخرى غير ماديَة قد تدفع بعض الآباء بتزويج بناتهم صغارا، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر السَعي وراء التَخلص من مسؤولية البنت الماديَة والإجتماعية بإعتبارها عالة لا عائل وقد تجلب لهم “العار” إن تركت بلا زواج. وكل تلك الأسباب مهما اختلفت وتنوَعت مردود عليها. فالأب لو لم يرد أن يسلك أسهل الطرق لراحته متجاهلا راحة ابنته ومصيرها، لسعى لتعليمها حتى تعمل كالولد وتصبح عائل بدل عالة، ولربَاها أفضل تربية لتحفظ نفسها. نستنتج من حديثنا أن الأب الذي يرضى لإبنته هذا النوع من الإرتباط المبكِر وغير المتكافيء لا يعدو عن كونه إما أناني أو كسول أو كلاهما معا، أي مذنب في جميع الأحوال ويستحق أن تسقط ولايته عليها حيث أثبت أنه ليس أهلا لها. وعليه فإننا نأمل أن تتعامل الدَولة مع هذا الملف المؤسف بحزم بحيث لا تترك مصير الصَغيرات في أيدي أولياء غير مسؤولين أو حتى قضاة غير معصومين، وأن نرى قريبا تطوُرا ملموسا درءا لمفاسد “حقيقيَة” وليست “افتراضيّة”.

@tamadoralyami

alyamit@gmail.com

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s