زيتنا في دقيقنا الأسمر


لا أفهم كيف يتلقَّى القاريء في مجتمعي خبرا كتطليق “ذكر” لزوجته بعد سبع أشهر من “زواجه بِها” بسبب أن لون بشرتها تغيَّر كخبر صادم أو حتى مُفاجيء وغير مُتوَقَّع، بل لا أفهم كيف يَرقى ليكون خبراً تنشره صحيفة “محلِّيَّة”، وما ردَّة الفعل المرجُوَّة من وراء نشره. فإن كان المُتوقَّع التأييد لفعلة “الذكر” فلا يعُد خبرا ذا قيمة في الداخل حيث اعتدنا على سماع مثل هذه الأخبار منذ وعِينا، ونَحمد الله أن الخارج لا يقرأ صُحُفنا المحلية إلا ما ندر، وسبحان من جعل زيتنا في دقيقنا ودقيقنا راضي بزيتنا. وإن كان المرجوا من وراء النَّشر “الإستنكار” فهيهات ثم هيهات لمجتمع عشمه في دنياه مثنى وثلاث ورباع و مصواب ومسيار ومحجاج ومصياف ومسفار ومطيار ومصياع، وعشمه في الجنَّة سبعين من حور العين أن يستنكر.

أما عنصر المُفاجأة يكمن في أن يُذهِلنا تصرُّف كهذا بينما تُمنِّي كل أم فينا أولادها بأنها ستخطب لهم الشقراوات ناصعات البياض ذوات القد النحيل والعيون الملونة وإن قبِلت صاحبة كل تلك المواصفات بالإبن الأغبر الأشهب غزال أمه ثُمّ حصل أن غضِب منها يوما، منَّته أمه “بِسِتْ سِتَّها” و من يُفترض أنها أفضل منها لتكسِر راسها (تحِد من غرورها).

الأم مِنّا للأسف تُعزِّز في أبنائها فكرة الإرتباط الشَّكلي، الزواج الذي يُبنى على الشِّكل الخارجي ويستمر طالما تم تحنيط الشَّريك. ولست هنا بصدد وضع اللوم على الأم دون الأب ولا الأب دون المجتمع، فالكل شريك والجميع مُلام في هذه الظاهرة الكريهة. أما الآباء فيضعون نموذجا سلوكيا يحتذي به الأبناء في بحثهم اللا مُنقطِع عن الأجمل والأصغر، وكأنَّهم هم أنفسهم لا يتبدَّلون ولا تتقلَّب أحوالهم ولا تشيب رؤوسهم ولا تتساقط شعورهم. يلهثون وراء الجمال الى أرذل العُمر وكأنه لا قيمة لشيء آخر في الشّريك لا حكمة ولا عشرة ولا مودة ولا رحمة.

الأسوأ من ذلك هو تعريف المجتمع لمعايير جمال غريبة عرقيَّا وما عداها من مواصفات لا تمت للجمال بصلة، ثم شرعنة البحث عن ذلك الجمال للرَّجل دون المرأة وكأن المرأة خُلِقت بلا عينان أو شهوة..!

يبحث ابن القبيلة الأرعن عن بنت القبيلة لكن يريدها شقراء بعيون زرق..!

يبحث قليل الجمال عن كثيرته وهو على يقين بأنها إن قبلت به فليس لجماله، وفيما قد تقبل بالقبيح الجميلة لمميزات أخرى مشروعة كذكاء أو حكمة أوطيب خُلُق ومعشر، لكنّه مع ذلك لا يُمانع على الإطلاق أن تقبل به لماله أو جنسيتّه.. فليكُن! فما هي إلا مشروع مُتعة مؤقت ويستحق نصيبا من مال المُتعة.

@tamadoralyami

alyamit@gmail.com

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s