سلف ودين


ونحن نتجاذب أطراف الحديث في أمسية من الأمسيات، ذكرت لي إحدى قريباتي أنها خضعت لأكثر من عملية جراحية علاجية خلال العام و كانت قد كثرت عليها الهدايا لدرجة أنها أصبحت تتكدَّر بمنظر كل من يدخل عليها لزيارتها حاملا هدية. قد يظن من يسمعها تشكو من أمر في عادته مُبهج مثل الهدايا أنها ممن يكفِّرن العشير و يجحدن المعروف، لكنِّي عرفت إلى ما ترمي، فعلقَّت مقاطعة حديثها: “شعرتي بأنها سلف ودين..” قالت نوعا ما، وأضافت معظمها لا تناسبني أو مكررة. تذكرت من حديثها مشهدا عاد بي أحد عشر سنة للوراء، بعد ولادتي لإبني الأول وتوافد الزُّوار بهداياهم. لاحظت قيام قريبتي بكتابة  إسم كل زائر ونوع هديته فاستفسرت _مع قِلَّة خِبرتي حينها_ عن فعلها فأجابت “كله سلف ودين”. تقصد أنه حينما تحين مناسبة عند من أهدى فإنه من المتوقَّع أن أقوم بإهدائه هدية بنفس القيمة أو يزيد! أتذكر جيِّدا أنني تفاجأت من هذه المعلومة التي بدت حينها كقاعدة متعارف عليها ومُسلَّم بها وفقدت حماسي للهدايا وفرحتي بها، وما كنت أتسابق لإكتشافه بعد مغادرة الزوار أصبحت أجرجر قدماي نحوه وأتنهَّد كلَّما بدت قيمته أكبر.

لا أظن أنني وحدي عندما أقول قتلنا الفرحة والعفوية والبساطة والتَّميز في كل صغيرة وكبيرة، حتى التهادي لحقه الإغتيال. من ذلك المشؤوم الذي وضع قواعد الشؤم هذه ولماذا تبعناه. وما ذنبي أنا لو أهدتني أميرة مترفة ناقة لا أستسيغها ولا أنتفع بها حتى يتوجَّب علي أن أردّ قيمتها لها بهديّة لا أطيقها! و ما العمل إذا كنتم قد جعلتم من رد الهديَّة “عيب” ومن قبولها وعدم ردّها بالمثل أو ما يزيد “عيب”. أيُعقل أن نتبنَّى بلا وعي قواعد التهادي المُستفِزَّة هذه ونعمل بها مستسلمين لتوقُّعات مجتمع نحن من غذَّاها وربَّاها؟! من أهداني أهديه ومن لم يهديني لا أهديه! من أهداني أهديه بنفس قيمة هديته أو ما يزيد! من أهديته ولم يرد لي الهدية أو حتى ردَّها لكن بما قيمته أقل فهو قليل أدب وذوق! أيُّها القوم.. أين تفرُّدنا في شخصياتنا و قدراتنا ومشاعرنا وأذواقنا؟ أين نُبل المشاعر في الإهداء؟ أين القيمة العاطفيَّة في الهديَّة؟ من أنتم!

أحيطكم علما بأني أضعت الورقة “ورقة السلف والدين” و لن أتبع المشؤوم و سأهدي من أحب وبقدر ما أحبه وبقدر ما أطيق. والسموحة

@tamadoralyami

alyamit@gmail.com

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s