عُملة المؤامرة


تكاد لا تخلو صفحة من صفحات تاريخ البشرية من المؤامرة وفنونها، ولنا في الحربين العالميتين الأولى والثانية وما قبلهما وما بينهما و بعدهما أمثلة ساطعة كالنجوم وحارقة كالشّمس. فمؤامرة الصرب في قتل ولي عهد النمسا أشعلت فتيل حرب أبادت ما يزيد عن سبعة عشر ملايين من البشر، ومؤامرة هتلر في إحتلاله لبولندا ألحقت بالأولى حرب ثانية خلفت خمسون مليون قتيل، مؤامرة بريطانيا شرَّدت شعب فلسطين ومؤامرة صدام أشعلت حرب الخليج. وبين هذا وذاك سرد من المؤامرات والخيانات ومع ذلك مازال هناك من يستهزيء بنظريَّة المؤامرة. وقبل أن نسترسل في تحليل تعامل المجتمع مع نظريَّة المؤامرة، يجدر الإشارة الى أنه لا تفضيل في هذا السِّياق بين من يُبالِغ في استخدام النَّظرية أو من يُبالِغ في الإستهتار بها، فَهُمَا بالنِّهاية وجهان لعملة واحدة، عملة المؤامرة. من يُسبغون وشاح المؤامرة فوق كل شاردة وواردة هم في أحسن الأحوال يميلون لأن ينسوا أو يتناسوا مسؤوليات حكوماتهم ومواقعها وأدوارها في العلاقات الدولية، وعلى الصَّعيد الدَّاخلي هم ذاتهم من يميلون لنظريَّة البطانة الفاسدة، و على صعيد أضْيَق هم أولئك الذين يُعلِّقون تقصيرهم على شمّاعة العيْن. أما الحكومات وقائدي الأيدلوجيَّات فهم المستفيد الأول من هذه الدَّندنة، وقد يقودوا بدَوْرِهم حملات خفيّة للترويج لها، فإن تحقَّقت أسبغت عليهم حصانة ضد جلد شعوبهم. وفي الطّرف الآخر من المعادلة نجد من يسخرون من سيرة المؤامرة ويستخفون بوزنها ويتندَّرون بأصحابها. هؤلاء كذلك على وجهان، وجه جاهل بتاريخ المؤامرات الزاخر وربّما غير مستوعب لشرور البشر، والوجه الآخر يخدم أجندته ويُرضي مرجعه. هنا قد يقول قائل: مالعمل وكيف الخلاص، فبحرٌ أمامنا و عدوّ خلفنا..! وأقول: الخلاص بالخندق من تحتنا، نعم الخندق الذي يُفترض أننا حفرناه تحسُّباً للمؤامرة والخيانة. لا يجب أن نميل كل الميل فننشغل بأنفسنا ونأمن عدوان العدو أو غدر الصاحب، ولا أن نصب جام المسؤولية على الخارج فنغدوا هزيلين ضِعاف وبلا أصحاب. جميلة هي الحياة إن سلّمنا بأن كل ما نراه ونقرأه ونسمعه يشكِّل الحقيقة كما هي بلا زيادة أو نقصان، لكن الواقع مع الأسف أثبت عكس ذلك وعلَّمنا أنه لا يجب أن يؤخذ أي شيء على ظاهره ببساطة وخاصّة في أمور العلاقات شخصيّة كانت أو على مستوى الدول. أقول لمن يضحك لسماعه أن الدولة “غير الإسلامية” قامت وترعرعت بمؤامرة غربية أو أن إيران تمد أذرع المؤامرة في كل فرصة: لا تضحك بعد فالأيَّام قادمة وسنتعلَّم منها دروسا قد تكون معادة، وفي الإعادة إفادة.. وأعدك بأني بدوري لن أضحك عليك، فَهمُّنا مشترك وعُمْلتنا واحدة.

@tamadoralyami

alyamit@gmail.com

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s