في أمان الله


غرَّد بها المستأمن على جدة ونام، بينما يترقَّب سكان عروس البحر العاصفة التي وُعدوا بها من قبل الأرصاد العالميَّة قبل المحليَّة. علَّقت وزارة التعليم الدِّراسة ليس تحسُّباً وإنَّما دراية ويقيناً بهبوب العاصفة والأخطار المصاحبة لها، فقد نام السكان وهم يعلمون أن السَّماء ستبرق وترعد حوالي السَّاعة الخامسة فجراً، وأن المطر سينهمر في حوالي التاسعة، وأنه سيستمر في النزول متقطِّعاً حتى منتصف الليل، ومع ذلك لم تُعلَّق الأعمال وإنَّما أذن بعض أصحاب العمل لموظفيهم بالإنصراف فقط بعد اشتداد العاصفة _وكأنَّهم تفاجئوا بها.. وكأن موظفي المدينة الساحلية برمائيين لا يصيبهم الغرق ويتنقَّلون بإستخدام أجسامهم برّاً أو بحراً_ فانصرف من انصرف من ذكور البرمائيات الجداوية وعلقت من علقت من إناثها، في واقع الحال هم بالنِّهاية علقوا جميها إما في مكتب أو في بركة. تشابهت النظرات التي كست وجوه سكان جدة وكأنما اختلط فيها الهلع مع القلق مع الصدمة مع الغضب، أبَعْدَ سِت سنوات من كارثة الأربعاء الأسود بضحاياه وخساراته ووعوده يكون هذا هو الحال؟ لا جديد.

من وصل سالما لأهله لجأ للإعلام يبحث فيه عن تصريح أمير أو تفسير أمين علَّه يجد في أيُّهم ما يُهدِّؤه أو يُواسيه، وكان جُلّ ما قيل لا يشفي الغليل. فتارة كان انقطاع تيار الكهرباء هو السّبب في غرق الشوارع والأنفاق، وتارة كان المُسَبِّب هو عدم وجود شبكة تصريف مياه الأمطار _يا للمفاجأة_ وفوقها يُصرِّح أبوراس بأنه لم يتم انشاء أي شبكات أمطار جديدة منذ عام 1432ه. الخلاصة، من وصل سالما لأهله تمنَّى لو أنه لم يبحث ولم يقرأ أو يشاهد أو يسمع ما يزيده غيظاً فوق غيظ. بكل تبجُّح يقولون لم تتجاوز الوفيات عدد الأصابع، وبكل أسى نقول: ممّن توفوا أب فقدوه أطفاله وفقدوا رزقه وأم فقدها رضيعها وأخرى ينتظرها أطفالها في منزل يغرق وطفل مفعم بالحياة والتفاؤل فقده ذويه، لكم هم أعداد لا تُذكر ولأحبابهم هم كل شيء.. نقول:ماذا عن من خسروا سياراتهم قبل أن يدفعوا آخر قسط من تمويلها الذي كسر ظهورهم، ومن خسروا أثاثهم شبه الجديد بعد أن خسروا ما كان قبله في أمطار سابقة، أين وكيف يكون العوض لكل هؤلاء؟ أيقترضون ويشترون غيرها أم أن مصيرها معروف؟ أفيدونا بإختصار..

نام الناس تلك الليلة وهم يستودعون الله أنفسهم وأحبابهم وأملاكهم بعد أن ابتاعوا ما قد يحتاجونه من مؤونة ليومين على الأقل وفتحوا بلاعات الأسطح والأفنية وحشروا المناشف تحت الأبواب والنوافذ، ونام المستأمن  بعد أن غرَّد “في أمان الله”.

@tamadoralyami

alyamit@gmail.com

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s