لماذا لا تزور النساء القبور؟


من الفتاوى التي لم أفهمها وأعجز حتى اليوم عن استيعابها تلك التي تجيز لولد زيارة قبر والده وتحرم على أخته الزيارة. تتركني أتساءل: ألا تشتاق الأنثى لميتها كالذكر؟ بل أكثر بحكم طبيعتها! ألا يصل دعاء الأنثى لميتها عند قبره كدعاء الذكر؟ ألا تحتاج الأنثى تذكرة بالموت والآخرة تماما كحاجة الذكر؟ عندما أفتى الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله بحرمة زيارة النساء للمقابر، جعلها كبيرة من كبائر الذنوب مستشهدا بأنه ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لعن زائرات القبور. بل ذهب ابن باز الى أبعد من ذلك بضم قبر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الى تحريم الزيارة حيث ذكر في فتواه أن قبور النبي وأصحابه ليست استثناء وهي ممنوعة على النساء. أما الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله فيقول في فتواه “لا يحل للمرأة أن تزور المقبرة هذا إذا خرجت من بيتها لقصد الزيارة، أما إذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وأن تسلم على أهل المقبرة، فالأولى التي خرجت من بيتها للزيارة قد فعلت محرماً وعرضت نفسها للعنة الله عز وجل وأما الثانية فلا حرج عليها”. أضف إلى ما لا أفهمه، كيفيَة الإجتهاد الذي أدى الى خروج هذه الفتاوي في حين أن أهل العلم اختلفوا في حكم زيارة النساء للقبور على أقوال أولها: تجوز زيارة النساء للقبور بلا كراهة, وهو مذهب الجمهور؛ فهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، وهو الأصح عند الشافعية مع أمن الفتنة، ورواية في مذهب الحنابلة، وثانيها: تكره زيارة النساء للقبور ولا تحرم, وهو المذهب عند الشافعية، ومشهور مذهب الحنابلة، وثالثها: تحرم زيارة النساء للقبور, وهو قول عند الحنفية والمالكية، وقول شاذٌّ عند الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة. فلماذا لم نأخذ بما ذهب اليه الجمهور؟ وكيف لا يتناقض تحريم زيارة النساء للقبور مع ثبوت إذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وتعليمها الدعاء إذا زارت القبور “قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون”، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر, فقال: اتقي الله واصبري, فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه, فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم, فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين, فقالت: لم أعرفك, فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى” وهنا لم ينكر عليها النبي زيارتها للقبر وقعودها عنده وإنما أنكر عليها البكاء الشديد ورفع الصوت بالنواح. كما أنه ثبت عن عائشة رضي الله عنها, كما روى ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبدالرحمن فقيل لها: أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قالت: “نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها”. أما عن حديث “لعن الله زائرات القبور” فقد ضعَف راويه أكثر المحدِثين فلا ينبغي الأخذ به خصوصا في ظل التناقضات الواردة أعلاه. في حين أن رواية “لعن الله زوارات القبور” تدل على النهي عن دوام زيارتها وتكرار ذلك؛ لما قد يصاحبه من المنكرات والتجاوزات، ولا يلزم ترتب الوعيد على تكرار الفعل ترتبه على أصل الفعل وذلك حسبما ذهب الجمهور.

الثَالبت اليوم هو عدم وضوح الرؤيا وتضارب مواقف حرَاس المقابر بين من يمنع النساء من الدخول للزيارة وبين من يسمح لهن بدخول الساحة الخارجية للمقبرة فقط دون الوصول لقبر ميِتهن وبين من يسمح لهن بالزيارة مع شرط وجود المحرم _الذي لم يشترطه الشرع إلا في السفر ولظروف سفر غير آمنة آنذاك!_ وهنا يأتي دور الحظ، فكل امرأة وحظها في قرار حارس المقبرة حيث يرقد فقيدها. إن إعادة فتح هذا الملف واصدرار فتوى أنسب وأقرب للسنة النبوية وتعميمها على جميع المقابر بات من الضرورة بحال. والحمدلله على كل حال.

@tamadoralyami

alyamit@gmail.com

About Tamador Alyami

Saudi Columnist. An advocate of equality, peace & common sense!
This entry was posted in المقالات العربية and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s